بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 أيلول 2025 08:48م قطر تحت النار: اعتداء إسرائيلي يربك الخليج ويعيد رسم خرائط النفوذ

حجم الخط
لم يكن دويّ الانفجارات في سماء الدوحة، عصر التاسع من أيلول/سبتمبر 2025، مجرد حادث أمني عابر. فالضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة "حماس" في العاصمة القطرية، حملت في طياتها أكثر من رسالة، وفتحت الباب أمام أسئلة عميقة حول السيادة والأمن والتحالفات في الخليج والمنطقة.

خرق غير مسبوق للسيادة

الاعتداء على قطر هو الأول من نوعه في تاريخ المنطقة الحديث، حيث تنقل إسرائيل معركتها خارج حدود غزة ولبنان وسوريا، لتضرب قلب دولة خليجية تُعد حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة ومقرًا لقاعدة "العديد" الجوية. هذه السابقة تضع النظام الأمني الخليجي أمام اختبار غير مسبوق: إذا لم تكن قطر محصّنة، فمن يضمن حصانة باقي العواصم الخليجية؟

قطر بين الوساطة والاستهداف

لطالما لعبت الدوحة دور الوسيط في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، واستضافت قيادات من حماس على أراضيها، تحت غطاء دبلوماسي مقبول ضمنيًا من واشنطن وتل أبيب. لكن الاعتداء الأخير ينسف هذه المعادلة، ويحوّل قطر من "وسيط" إلى "ساحة صراع". هنا يطرح سؤال جوهري: هل ما زال بإمكان الدوحة أن تجمع الفرقاء حول طاولة المفاوضات بعدما أصبحت طرفًا مستهدفًا؟

مأزق الخليج وانقسام محتمل

دول مجلس التعاون وجدت نفسها بين خيارين صعبين:
التضامن مع قطر باعتبار أن الاعتداء مسّ بالسيادة الخليجية ككل.

أو تحميل الدوحة مسؤولية سياسية نتيجة احتضانها قيادات حماس.

هذا الانقسام المحتمل يعيد إلى الأذهان أزمة حصار قطر عام 2017، لكنه في الوقت نفسه قد يفرض على العواصم الخليجية التفكير مجددًا في بناء منظومة أمنية مشتركة لمواجهة التهديدات الخارجية، خصوصًا مع انكشاف هشاشة الدفاعات أمام ضربات غير متوقعة.

واشنطن في قلب العاصفة

الولايات المتحدة، التي تحتفظ بوجود عسكري كبير في قطر، وجدت نفسها أمام معادلة حساسة:

إذا كانت على علم مسبق بالاعتداء، فهذا يُحرجها أمام حليفتها.

وإذا فوجئت به، فهذا يعني أن حليفتها إسرائيل تتصرف دون اعتبار لحضورها الاستراتيجي في المنطقة.

في الحالتين، واشنطن أمام أزمة ثقة مع شريك رئيسي في الخليج.

انعكاسات إقليمية

الهجوم سيجد صداه في طهران وأنقرة:

إيران ستوظف الحدث لإبراز أن "يد المقاومة” مستهدفة حتى في "العواصم الآمنة”، بما يعزز خطابها ضد إسرائيل.

تركيا، الحليف السياسي والاقتصادي لقطر، قد تتحرك دبلوماسيًا وإعلاميًا للرد، ليس فقط دفاعًا عن قطر، بل أيضًا عن سياستها الداعمة لحماس.


سيناريوهات مقبلة

من المرجّح أن تذهب الدوحة إلى التصعيد الدبلوماسي عبر مجلس الأمن، والمطالبة بضمانات سيادية. أمنيًا، قد تعيد النظر في مستوى الانكشاف الذي تعطيه لقادة حماس على أراضيها. أما سياسيًا، فسيبقى السؤال الأهم: هل ستدفع قطر ثمن دورها الوسيط، أم أنها ستستثمر الحدث لتعزيز حضورها الإقليمي بصفتها دولة "تُستهدف لأنها مؤثرة"؟

خاتمة

الاعتداء الإسرائيلي على قطر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل هو حدث فارق يعيد تشكيل موازين القوى في الخليج. إنه اختبار لصلابة مجلس التعاون، لمرونة الوساطة القطرية، ولحدود التفاهم الأميركي–الإسرائيلي. الأكيد أن الدوحة بعد أيلول 2025 لن تكون كما قبله، وأن الخليج يدخل مرحلة جديدة من انكشاف السيادة، حيث لا شيء يبقى بعيدًا عن مرمى النار.

العميد علي ابي رعد- خبير عسكري واستراتيجي