تتبّع العالم قمة ألاسكا، كانوا ينظرون إلى الخطوات الواثقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووقوفه على السجادة الحمراء، ينتظر وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يخطو نحوه بكل ثقة. كانت الثقة بين الرجلين القطبين، هي القاسم المشترك في ذلك اللقاء التاريخي، على أرض روسية مشتراة من قبل أميركا. كان يريد تذكيره بأن روسيا وأميركا اعتادتا تبادل الصفقات منذ قديم الزمان.
كان العالم كله مرتاحا إلى هذا اللقاء، فتح فرجة مهمة في جدار العلاقات، وفي إدارة الأزمات. ظن العالم كله للوهلة الأولى، أن حروب الكرة الأرضية كلها صارت وراء ظهرنا، وقالوا جميعا همسا أو جهرا: لقد ارتحنا.
وحدها غزة كانت تئنّ وتصرخ: الآن قد بدأنا. ووحده سماحة الشيخ نعيم قاسم كان يعلّي الصوت فوق رؤوس اللبنانيين جميعا: إما السلاح، وإما الفوضى. كان يهدّد ويتوعّد بالفتنة وبالحرب الأهلية والسيرة الكربلائية.
خرج نتنياهو علينا، بإحتلال غزة، وخرج الشيخ نعيم قاسم، بالفوضى العارمة. وأما إنتباه العالم كله، فقد كان مشدودا إلى قمة ألاسكا. بوتين يريد ثلث أوكرانيا، وترامب يريد جميع الأسواق التجارية. وأما العالم كله، فهو يريد السلام، وإنهاء الصراعات والحروب المستدامة، ويقول: «خلصنا بقا».
ترامب وبوتين ونتنياهو وسماحة الشيخ نعيم قاسم، كانوا نجوم قمة ألاسكا الظاهرة والخفية. وأما العالم كله، فكان يرنو إلى الفرجة في جدار العلاقات الدولية، التي فتحتها قمة ألاسكا، بعدما كادت العزلة تقتل روسيا، وبعدما كانت الحرب، تباعد بين ترامب والجائزة.
المفاجأة: وقف اللبنانيون صفا واحدا - كل على طريقته - يصفقون للشيخ نعيم قاسم، على هذه الجرأة الأدبية، التي مهّد بها، ليكون على طاولة المفاوضات في قمة ألاسكا.
كان صوته خارقا، وكانت صورته طاغية، وكان حضوره عن بُعد، أقوى من حضور نتنياهو وبوتين وترامب. لِمَ لا!
كان نجمه حقا ساطعا.
كنت في السنة الأولى من دراستي في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية (1969-1970)، وكانت الأحداث الفلسطينية - اللبنانية، في مبتدئها، وماتت المؤامرة الدولية على لبنان في أولها. وقف بيننا، العميد الدكتور أحمد مكي رحمه الله، يشرح الموقف اللبناني، وكان العالم كله مشدودا إلى (إتفاق القاهرة ٣/١١/١٩٦٩)، أوجز لنا: إنه إجتمع في نادٍ دولي للرماية بالمسدس: الفرنسي والألماني والروسي والأميركي وغيرهم أيضا.. ثم حضر إليهم اللبناني. أصاب الفرنسي الدائرة الثانية، وكذلك الألماني والروسي. وأما الأميركي، فقد أصاب كبدها. وحان دور اللبناني، فوقف وقفته، وفتل فتلته، ولوّح بيديه وأشار بإصبعه وبمسدسه، ورمى، فما أصاب اللوحة، وأما الرصاصة التي إطلقها على اللوحة، فقد وقعت خارجها، فضحك الجميع لذلك، فردّ على هزأتهم وسفهها، فقال: «مع ذلك، بشرفكم: بس ماني قويص».
حقا كان سماحة الشيخ نعيم قاسم يمثل الشخصية اللبنانية، منذ (إتفاق القاهرة ٣/١١/١٩٦٩) حتى (إتفاق وقف النار بين إسرائيل ولبنان في ٢٧/١١/٢٠٢٥): دعوة فاضحة لحرب أهلية، وحرب كربلائية. أثارت فضول اللبنانيين وفضول العالم أجمع، وحطّت على جدول الأعمال في قمة ألاسكا، وفاجأت الجميع وفجأتهم وصعقتهم. كان وقعها عليهم أشدّ من وقع الصاعقة!
حقا كان صوت سماحة الشيخ نعيم قاسم، أقوى بآلاف الدرجات من صوت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الأستاذ الدكتور علي لاريجاني، الذي وصل قبيل إنعقاد قمة ألاسكا بقليل، ونادى بأعلى صوته بين جمهور المقاومة:
«إيران لا تريد التدخّل في لبنان، ولكنها إلى جانب المقاومة».
هل كانت صرخة سماحة الشيخ نعيم قاسم، وإن عن بُعد، على طاولة المفاوضات في قمة ألاسكا، هي صرخة في وادٍ؟ هل تلقّى إرتدادات قوية؟ هل هي أعظم وأبلغ من صمت زيلينسكي المطبق، والذي بلع لسانه وصواريخه ومسيّراته، فجلس «الصبي» ينتظر بكل أدب، ولم ينبس ببنت شفة؟ أم أنها كانت أقوى من صوت الاتحاد الأوروبي كله، والذي كان يتلعثم، حين ينادي ويناجي، قمة ألاسكا عن بعد، بل يقول لأهل قمة ألاسكا: حقا لقد زهقنا.
اللبنانيون جميع اللبنانيين: ممتنون لجرأة الشيخ نعيم قاسم، والتي فاقت كل التوقعات. وكان وقعها على اللبنانيين والعالم وقمة ألاسكا، أعظم من (حرب أيلول٢٠٢٤)، وأعظم من وقعة البيجر، ومن وقعة الضاحية التي أصابت من السيد مقتلا.
جمعني والصديق الأستاذ عبد الغني طليس، ملتقى السيدة خيرات الزين، وكنت معجبا بشخصه، ومعجبا أكثر بصوته، وكنت أريد أن ألفته إلى ميزة نبرته التي تشدّ أصدقائه عن بُعد، مثل ما روى لنا ذات لقاء عن الممثل القدير الأستاذ رفيق علي أحمد. قلت لصديقي الأستاذ عبد الغني، بعد أن علا صوته سقف الملتقى، مستعيرا بيتا معجبا من قصيدة المتنبي في مدح بدر بن عمار، الذي صارع الليث وصرعه على ضفة بحيرة طبرية بفلسطين:
«أمعفر الليث الهزبر بصوته/ لمن إدخرت الصارم المسلولا».
حقيقة كنت أصحف «السوط» بـ«الصوت».
وأجدني اليوم محتاجا لتصحيف الثورة الكربلائية في خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم، التي عف عليها الزمن، في قمة ألاسكا، بـ«الثورة الكهرمائية» التي يحتاجها الشعب. لا لشيء، ألا ليكون سماحة شيختا أكثر واقعية، وأصدق وقعا في قلوب الناس.
وليس بعيدا من ذلك، ما وعد به الرفيق لينين الشعب، في أول خطاب جماهري له، شدّهم إليه، حين أطلق الثورة البلشفية، قال:
«أعدكم بالكهرباء، تصل إلى جميع الأرجاء».
كان خطابه أوقع.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية