يبقى قيام الدولة الوطنية المستدامة شرطا مركزيا في اعتماد استراتيجية تأسيسية ترتكز الى مبدأ التراكم الخطّي الإيجابي انطلاقا من الآتي:
1- المواطنة كهويّة ثابتة في الانتماء الى الوطن اللبناني، مقابل انتفاء خصوصيات الانتماء الطائفي والمذهبي والجهوي. إنّ إنجاز المواطنة اللبنانية يبدأ مع تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وفقا لما نصّت عليه أحكام دستور دولة الاستقلال التي جاءت متضمنّة في بيان أول وزارة استقلالية برئاسة رياض الصلح في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1943. أمّا تركيب هذه اللجنة فينبغي أن يضمّ فاعليات وشخصيات رسمية وشعبية، ورموزا نخبوية فكرية وثقافية وأكاديمية تمثّل التيار اللاطائفي، لمباشرة الخطوات الإجرائية باتجاه العبور من دولة الطوائف والمذاهب المتعددة الى دولة المواطنين - دولة الشعب اللبناني الواحد.
2- إقرار قانون جديد للتمثيل النيابي يأتي على قياس الدولة والشعب وليس على قياسات المصالح الزعامية - الطائفية. من مواصفات هذا القانون الانتخابي اعتماد جغرافية انتخابية على أساس الدوائر الكبرى، والتمثيل النسبي، وخارج القيد الطائفي. يتضمّن أحكاما واضحة وصارمة لجهة سقف الانفاق المالي الانتخابي وتحديد وسائل مراقبته، وأحكاما لجهة تنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين، على نحو يضمن فرصا متكافئة للتكتلات واللوائح المتنافسة ديمقراطيا.
3- إصدار قانون عصري للأحزاب السياسية يعزّز التوجهات الفكرية والسياسية الوطنية والديمقراطية، ويحدّ من الاصطفاف الطائفي والمذهبي. إنّ مثل هذا القانون يساهم في إغناء الحياة السياسية، ويعزّز الروح الوطنية، وإليه يعود الدور الأكبر في قيام جماعة الدولة على أساس وضع الدولة فوق سائر الجماعات الطوائفية، وليس كما هو حاصل اليوم من حيث وقوف الجماعات الطوائفية فوق الدولة.
4- إقرار مبدأ عدم الجمع بين النيابة والوزارة، نظرا لأنّ مثل هذا الجمع يساعد على تقوية النفوذ الزعامي - السياسي لدى النائب - الوزير من ناحية، ويقلّل من فرص توسيع نطاق المشاركة الديمقراطية من ناحية أخرى.
5- قيام سلطة قضائية مستقلّة عن السلطة الإجرائية، وذلك بانتخاب عدد من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي نفسه.
6- تفعيل الهيئات الرقابية وتحديث الإدارة، واعتماد مبدأ الأهلية والكفاءة في التوظيف لمكافحة الزبائنية السياسية الحامية لكل أشكال الفساد الإداري والمالي المستشري في الإدارات والمؤسسات العامّة.
7- اعتماد الانتظام الدوري في إجراء الانتخابات البلدية، الأمر الذي يؤسّس لإنتاج سلطات ديمقراطية قاعدية أي على مستوى قاعدة الهرم السلطوي، ذلك أنّ تأسيس الديمقراطية القاعدية هو المدخل الضروري لتأسيس ديمقراطية رأسية أي على مستويات رئاسة الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء.
8- تعديل المادة 21 من الدستور بهدف خفض سنّ الاقتراع الى الثامنة عشرة، لما لهذا الأمر من أهمية بالغة لتوسيع مساحة المشاركة الديمقراطية للمواطنين.
9- احترام مبدأ المساواة بين المواطنين وفق شرعة حقوق الإنسان، وإزالة كل أشكال التمييز ضدّ المرأة، وتطبيق بنود اتفاقية حقوق الطفل المدنية.
10- إقرار قانون يشرّع الزواج المدني الاختياري كخطوة في اتجاه تكريس الحقوق والحريات الطبيعية غير المتعارضة مع روح الدستور اللبناني وأحكامه، وذلك على طريق الفصل بين الدين والدولة، وبناء الدولة المدنية الحديثة التي تحترم وتصون وتحمي حقوق المواطنين جميعا في ممارسة خياراتهم الفكرية والسياسية ومعتقداتهم وشعائرهم الدينية وسوى ذلك.
11- إصلاح اقتصادي - اجتماعي من خلال الآتي:
أ- تعزيز الدور الناظم للدولة في تصحيح اختلالات آليات السوق وما ينجم عنها من فوضى اقتصادية، وتفاقم الاحتكار، وتفاوت اجتماعي.
ب- العمل على تضييق فجوة الاختلالات القطاعية أي بين قطاعات الإنتاج الزراعة، الصناعة، الخدمات والتجارة.
ينبغي على الدولة اعتماد خطط استراتيجية للتنمية الاقتصادية تقوم على تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية الثلاثة، وعلى إيلاء أهمية للتدخّلات الإيجابية في تنمية المناطق الطرفية والأرياف الزراعية، وذلك بهدف الوصول الى توازن إنمائي على مستوى القطاعات المنتجة من جهة، وعلى مستوى كل المناطق اللبنانية من جهة أخرى. وفي هذا المجال، تبرز أهمية تفعيل المشروع الأخضر الذي أنشىء برؤية شهابية إصلاحية اعتمدها العهد الشهابي في العام 1963 لتطوير الزراعة اللبنانية، وقد قام بإنجازات مهمة على صعيد استصلاح الأراضي، وزيادة المساحات الزراعية التي تلازمت مع زيادة الإنتاج، وأسهم في الحدّ من الهجرة الريفية، وكذلك من النزوح الى المدن، لا سيّما الى العاصمة بيروت.
ج- وجوب إعادة إحياء وزارة التخطيط والتصميم العام، وهي وزارة قامت بالتخطيط العمراني والاقتصادي بالارتكاز الى معطيات إحصائية علمية، ومن خلال في مسوح في غاية الأهمية للسكّان والصادرات والواردات والميزان التجاري ورخص البناء، وحركة المرافئ وبصورة خاصّة مرفأ بيروت الذي لعب دورا مركزيا في الاقتصاد العربي واللبناني قبل الحرب الكارثية التي اندلعت في نيسان 1975.
د- وجوب مراجعة السياسات المالية، ووضع الخطط الكفيلة بالحدّ من الدين العام ومن خدمته المرهقة لخزينة الدولة وللموازنة العامة السنوية.
هـ- إصلاح النظام الضريبي على قاعدة اعتماد مبدأ الضرائب المباشرة التصاعدية على المداخيل والأرباح والشركات والاستثمارات وغيرها.
12- اعتماد إصلاح اجتماعي من خلال الآتي:
أ- عدالة توزيعية شاملة اقتصادية واجتماعية وإنمائية وسياسية، مقابل انتهاء مقولات الغبن والغنم التي سادت تاريخيا بين الطوائف والمناطق اللبنانية.
ب- التخطيط لسياسة اجتماعية تسهم في اتساع شبكات الأمان والضمانات الاجتماعية، لا سيّما في ميادين السكن والاستشفاء والتعليم والشيخوخة، وحماية مؤسسة الضمان الاجتماعي والسعي لتطويرها وتحديثها من أجل التقدّم باتجاه دولة التنمية والرعاية الاجتماعية، تكون بديلة من الدولة المغانمية القائمة على المحسوبية والزبائنية.
13- في مجال التربية والتعليم والثقافة:
أ- تعزيز وترسيخ الثقافة الوطنية وتطويرها كبديل نهائي للخصوصيات الثقافية الطائفية والمذهبية.
ب- اعتماد برامج ومناهج تربوية تنشأ عليها الأجيال اللبنانية القادمة تنشئة وطنية غير طائفية أو مذهبية أو مناطقية أو ولائية للخارج.
ج- تشجيع مؤسسات البحث والتطوير العلمي، والحدّ من هجرة العلماء والأدمغة الشابّة الى الخارج.
وهنا، ينبغي إيلاء الاهتمام الكافي بالجامعة اللبنانية وإعادة الاعتبار لموقعها التربوي والأكاديمي والبحثي في تعزيز موقعها الوطني في إنتاج الثقافة الوطنية والمعرفة والتطوير العلمي في ضوء مواكبتها الحداثة والتكنولوجيا المبتكرة عالميا.
خلاصة:
إنّ أسباب تعثّر النهوض اللبناني تكمن أولا وأخيرا في السياسات التي اعتمدت في معالجة الأزمات المتلاحقة منذ قيام الدولة اللبنانية الحديثة وحتى اليوم. فلم تستطع المعالجات إيجاد الحلول الناجعة والدائمة لتلك الأزمات، وإنّما كانت في معظمها محاولات لتأجيل الأزمة وليس الى إلغاء أسبابها ومحاصرة مفاعيلها وتداعياتها التراكمية. فقد ظلّت الأزمات تتواصل على شكل حلقات في سلسلة متجددة ومعادة الإنتاج بصورة مستمرة.
إنّ خروج لبنان وطنا ودولة من مأزق أزماته المتجددة إنّما يكون بقيام الدولة الوطنية اللبنانية وفقا لمرتكزات تأسيسية هذه أبرزها:
1- الخروج النهائي من صيغة الدولة المغانمية والسلطة الريعية في توزّعات الحصص والأنصبة الطوائفية والمذاهبية، والانتقال الى صيغة الدولة المؤسساتية ارتكازا الى مبدأ الوطنية اللبنانية الجامعة.
2– التأسيس لمواطنة لبنانية تنتفي معها حالة «المواطفة» المحكومة لغريزة ثقافية طائفية كانت هي المسؤولة دائما عن انقسامية المجتمع اللبناني الى وحدات مجتمعية متغايرة في بنيتها الثقافية، وفي مسلكياتها وتعبيراتها السياسية أيضا.
3- إنتاج قانون جديد للانتخابات النيابية والرئاسية، واعتماد آليات عصرية في تأليف الحكومات القادمة، وذلك وفقا لمعايير ومقاييس المصلحة الوطنية العليا، وليس وفقا لمصالح واعتبارات زعامية وحزبية طائفية ومذهبية وفئوية. وهنا، نقترح أن يكون انتخاب رئيس الجمهورية بوصفه الرأس الأعلى في السلطة التنفيذية، مباشرة من الشعب اللبناني، لما لهذه الصيغة من أهمية تفاعلية بين سائر المكوّنات الاجتماعية التي تؤلّف المجتمع اللبناني.
4- التشجيع على تأسيس أحزاب وطنية لبنانية تكون مشدودة في ولاءاتها، أولا وأخيرا، الى لبنان الوطن والدولة، لبنان الجغرافيا والهويّة، لبنان وحدة الشعب والمصير المشترك، لبنان الانفتاح على العالم العربي وعلى سائر العالم.
5- تعزيز الدور الريادي لمؤسسات وهيئات المجتمع المدني التي تبقى هي الأخرى بمثابة صمّام الأمان للسلام الوطني اللبناني، وهو السلام الكفيل بإخراج لبنان والدولة من عنق الأزمات الضاغطة، والولوج الى رحاب الاستقرار الذي بات راهنا ومستقبلا حاجة وطنية ملحّة للشعب اللبناني برمّته.
6- إصدار قانون اللامركزية الإدارية في ضوء التخطيط الاستراتيجي للإنماء القطاعي الإنتاجي والمناطقي المتوازن.
7- تعزيز الروح الوطنية لدى المؤسسة العسكرية، وهي المؤسسة التي أثبتت في كل مرّة، وفي كل أزمة، استجابتها لمصالح الوطن والشعب دون غيرها.
8- إيلاء أهمية استثنائية للثلاثي الوطني: الجيش، القضاء، الجامعة اللبنانية، هذا الثلاثي هو بمثابة الضامن الحقيقي لمستقبل الكيان الوطني اللبناني وتطوره الديمقراطي ونهوضه الشامل والمستمر.
إنّه التحدّي الذي يواجهنا جميعا، فهل نحن قادرون على توليد استجابات من شأنها النهوض بالوطن اللبناني المرتكز الى قواعد التطور الديمقراطي من خلال تكامل عمل المؤسسات الديمقراطية، واعتماد مبدأ المواطنة كشرط معياري لقيام الجماعة الوطنية اللبنانية المتماثلة من حيث وحدة نسيجها الاجتماعي والثقافي، ووحدة المصالح المشتركة، مصالح الحياة والمصير الواحد؟
* باحث وأستاذ جامعي متقاعد من الجامعة اللبنانية