يشهد لبنان واحدة من أخطر لحظاته التاريخيَّة منذ نشأته كدولة مُستقلِّة ذات سيادة، فالخطر الذي يهدّده اليوم لا يقتصرُ على المخاطر الإسرائيليَّة الخارجيَّة، بل بات نابعاً من وهن داخلي في ظل تحولاتٍ دوليَّة وإقليميَّة جذريَّة، في ظِلِّ هشاشةِ النِّظام القائم بحيث أصبحنا دولةً مكشوفةً عاجزة عن تحمُّل أدنى مسؤولياتها سواء تجاه مواطنيها أو المجتمع الدولي الذي أصبح ينظر إليها كدولة منقوصة السِّيادة منهكة اقتصاديًّا ومشلولة إداريًّا وينهشها الفساد من كل نحو وصوب، وغير قادرةٍ على اتِّخاذ قراراتها السياديَّة، ولا لملمة مكوناتها ضمن إطار شرعي معترف به دوليًّا.
لبنان اليوم عرضةً للاعتداءات الإسرائيليَّة من أقصاه إلى أقصاه، بعد أن أتاح انزلاق حزب لله في حربِ ما بعد طوفان الأقصى المجال للعدو الإسرائيلي إلى القضاء على قادته وقواعده وتفكيك بنيته العسكريَّة وتدميرِ مخزوناته من الأسلِحة، وتفرَّغ إلى تعقُّبِ عناصره الميدانيين وقنصِهم واحدً تلو الآخر بعمليَّة أشبه إلى صيد الأرانب. كُلُّ ذلك يحصل ومنطقة الشَّرق الأوسط تغلي فوق صفيح ساخن مُتفجِّرٍ نتيجةَ الاختلال في موازين القوى على السَّاحتين الدَّوليَّة والإقليميَّة. الأمرُ الذي مكَّن العدو الإسرائيلي من تجييرِ كُلِّ ذلك لتنفيذِ مخططاته التلموديَّة وطموحاته في تحقيق إسرائيل الكبرى، مستَغِلاً تفوّقه العسكري والمخابراتي المعزَّزين بتقنيَّاتٍ عسكريَّة ولوجستيَّة أميركيَّة ودعمٍ غربي غير محدود. في المقابل يقف لبنان كدولة عاجزة شبه مفكَّكة سياسيًّا ومنهكة اقتِصادِيَّا ومثقلة بالهموم الاجتماعيَّة ينتظرُ مصيره وما يُملى عليه بعد اضطراره للتَّوقيع على اتفاق إذعان أبرم برعايةٍ أميركيَّة، كرَّسَ حلًّا ملتبساً ألزم لبنان بالامتناع عن الرَّد على الانتهاكات الإسرائيليَّة، وأبقى المجال للطَّرف الآخر في العربدة على امتداد الجغرافيا اللبنانيَّة.
لا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن السياقين الدَّولي والعربي، ذلك أن النِّظام العالمي يعاني من شلل بنيوي نتيجةَ سيطرةِ قطب واحد نصَّب ذاته راعٍ للسِّلم الدَّولي، ما عطَّلَ دور الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة التي تبدو عاجزة عن ترجمةِ قراراتها عمليًّا على أرض الواقع، ومجلس الأمن مكبَّلٌ باختلالِ التَّوازن بين القوى الكبرى، وحقِّ النَّقض المُسخَّر دائماً لخدمة الكيان الإسرائيلي، وتخلّي الدُّول والمجتمعاتِ الغربيَّة عن المبادئ الإنسانيَّة والأخلاقيَّة خِدمةً للإملاءاتِ الصَّهيونيَّة بعد أن كانت تُأخرُ بها وتسعى إلى تكريسها. أما عربيًّا فالمشهد أكثر إيلاماً فالعالم العربي يعيش حالةً تفكُّك غير مسبوقة، دولٌ منشغلةُ بأزماتها الدَّاخليَّة، وأخرى غارقةٌ في صراعاتها الدَّاخليَّة، وثالثةٌ مثقلةٌ بهمومها الاقتصاديَّة والمَعيشيَّة، ورابعةٌ تعملُ على إعادة ترتيبِ أولويَّاتها بعيداً عن أيِّ تصور للأمن القومي العربي، كُلُّ ذلك حرَم لبنان من مِظلَّةِ عَربِيَّة كانت توفِّر له الدَّعم السِّياسي والاقتصادي بعد أن أمعَن بعضٌ من قادةِ ميليشياته، خدمةً لتوجُّهاتٍ إقليميَّةٍ، إلى تخريب علاقَةِ لبنان أشقاءَ عرب لطالمَا حملوا هموم لبنان واللبنانيين.
أدّى انكشاف ضعف السُّلطةِ الرَّسميَّة في لبنان، وتخلّيها عن دورها السيادي طوالَ عقودٍ خلت إلى إظهار أن اللبنانيين عاجزين عن بناء دولة وفق المفهوم المتعارف عليه دوليًّا، لتَحكُّمِ الدُّويلةِ بالدَّولةِ التي أضحت أشبه بهيكلٍ ظاهري وهن، يعجزُ مسؤولوه عن فرضِ توجُّهاتهم السِّياسيَّة أو خياراتهم الخارجيَّة، أو ضبطِ الأمن على التراب الوطني، وهذا ما سهَّلَ على العدو الإسرائيلي من تحويل لبنان من ضَحِيَّةٍ إلى دولَةٍ متَّهمَةٍ دائماً بالعَجز عن القيامِ بأبسطِ واجباتها.
لقد بنيت شرعيَّةُ السِّلاحِ خارجِ إطار أجهزِ الدَّولة العسكريَّةِ والأمنيَّة النِّظاميَّة على فرضِيَّة أن ضعف الدَّولة يُعوَّضُ بقوَّة المُقاومة، وسوَّق البعضُ لمقولةِ أن المُقاومَةَ قادِرَةٌ على تَحقيقِ نوعٍ من الرَّدعِ القائمِ على توازُن الرُّعب، وصوِّرَ لهم أن بإمكانهم ردع إسرائيل، متغافلين عن أن صداقات لبنان الدَّوليَّة والعربيَّة هي كانت المظلَّة الحقيقيَّة التي كان تحمي لبنان من العنجهيَّة الإسرائيليَّة، وأننا تخلينا عنها بمجرَّد انضوائنا بمحور إقليمي ضُدَّ مصالِح أمتنا العربيَّة، وإطلاق العنان لألسنة البعض في التَّطاول والتَّهجم على من كان لنا السَّند الحقيقي.
أما وقد حصل ما حصل، ووصلنا إلى ما نحن عليه من عزلةٍ وضعف فإن الوقائع الراهنة تظهر بوضوح أن تلك المعادلة التي سوِّقت لم تعد قائمة، ذلك لأن السِّلاح الذي كان يتغنّى فيه البعض لم يعد قادراً على منع الاعتداءات ولا حتى على حماية حامليه الذين يتلطّون اليوم خلف المدنيين. لقد بات هذا السِّلاح عاملَ استنزاف دائم، وذريعةً يستغلُّها العدو الإسرائيلي لتبرير انتهاكاته وضرباتِه شبه اليوميَّة داخل الأراضي اللبنانيَّة. والأخطرُ من ذلك أن أيَّةَ مواجهةِ أو ردٍّ من الجانب اللبناني قد يُعرِّضُ لبنان لمواجهةٍ مفتوحةٍ مع العدو لبنان غير مستعد لها، بل غير قادر على تحمُّلِ نتائجها، ولم يعد بالإمكان استغلالها لتحقيق أي مكسب سياسي أو تفاوضي.
إن جوهرَ الأزمة السياديَّة في لبنان لا يكمن في وجودِ سِلاحٍ خارج إطار الدَّولة فقط، بل في تفرُّدِ جهةٍ تبني مواقفها وفق إملاءات خارجيَّة، وإصرارها على التَّفرُّد في قرار الحرب والسِّم، ورمي تبعةِ خياراتها المتهورة على عاتقِ الدَّولة، التي تختبئ خلفها في الملمّات، وفي الوقت عينه تصرُّ على انتقادِ خياراتها وتوجُّهاتها، وترفضُ على الدَّوام الانضواء تحت مِظلَّتها. وعليه نرى أن الإصرار على الاحتفاظِ بالسِّلاح خارج إطار الدَّولةِ في ظِلِّ الاختلال الفادح في موازين القوى لصالِح العدو الإسرائيلي هو رهانٌ خاطئ، بل مقامرةٌ يدفعُ ثمنها لبنان واللبنانيين كافَّة.
إن إصرار البعضِ على منطق وجود دولةٍ ظِلٍّ تتحكَّم في مصير لبنان لم يعد مقبولاً، لأسباب عدَّة أولها أنه يخالف أبسط قواعد القانون ومفاهيم السيادة، وأي حيودٍ عن هذا المنطق يؤدي إلى دولةٍ منقوصة السيادة، عاجزة عن التَّفاوض كما عن حماية شعبها، ومحاسبة المسؤولين عن خياراتهم المتهورة، وثانيها أن هذا التَّفرُّد في الخيارات وحيازة السِّلاح لا يحظى بإجماعٍ وطني، ولم يعد مؤيَّدٌ من غالبيَّة الشَّعب اللبناني، بل إنه عاملٌ يُشجِّعُ ويعمِّق الانقسامات الدَّاخليَّة، ويخلّ بموازين العيش المُشترك، وخاصَّة بعد أن تحوَّل هذا السِّلاح من أداة دفاع ضد العدو الإسرائيلي إلى عنصر استقواء داخلي، وأداة لجهات غربيَّة تستعملها للإساءة إلى الدُّول العربيَّة. وأخيراً لا بدَّ من التَّساؤل عن أي منطق وطني أو ديمقراطي يفرُضُ خيارات مصيريَّة على مجتمع يقوم على التَّعدديَّة والتعايُشِ المُشترك من دون تفويض جامع؟؟؟؟؟
إن منطق قيام دويلة في كنف الدَّولة، وإقامة جيش غير نظامي إلى جانب القوى العسكريَّة والأمنيَّة النِّظاميَّة لا يمكنُ التعامي عن مساوئه لا بل يعتبر السَّبب الأول في الانهيار الشَّامل الذي أصاب الدَّولة اللبنانيَّة، فالسِّلاح الفئوي لم يؤدِّ إلى بناءِ دولة قويَّةٍ وعادلة، ولم يحمِ لبنان ولا طائفة بعينها، بل ساهم في شلِّ المؤسسات الدُّستوريَّة وتعطيل الاستحقاقات الوطنيَّة، وضرب وتقويضِ الممارسات الديمقراطيَّة، وتفكيك المؤسسات الحكوميَّة، وإعطاب الجهاز القضائي، واستشراء الفساد، وتغييب المحاسبة، وذلك لتحوُّل السِّلاحِ بحكم الواقعِ ومصادر الدَّعم والرعاية الخارجيَّة من أداة للتَّصدي للعدو إلى مِظلَّةٍ داخليَّة لحمايةِ المفسدين الأمر الذي حال دون قيام دولة قادرةٍ وعادلة.
الدَّولة الضَّعيفةُ لا تشكِّلُ مرتكزاً لأي مشروع وطني، بل بيئة حاضنة للفوضى ومدعاة للإنهيار، وأي مشروع يدّعي أو يراد منه حماية المجتمع وبناء الدَّولة لا يمكن أن يستقيم فيما هو يساهمُ في تقويض أسس الدَّولة وقدراتها وثرواتها البشريَّة والطبيعيَّة.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالمكابرة، ولا بإنكار التَّحولات بل بمراجعةٍ شجاعةٍ ومسؤولة، والاقتناع بأن التخلّي عن السلاح لصالح القوى النظاميَّة في الدَّولة لا يعني الاستسلام، ولا التَّفريط بالكرامة، أو الانكسار لفريق أمام فريق آخر على المستوى الدَّاخلي، بل تخوّل من منطق الفئويَّة إلى منطق الدَّولة الجامعة. المطلوب إذن:
- إعادة النَّظر في نظرتنا إلى الدَّولة كمرجعيَّة يتجسَّد فيها الخيارات السياديَّةُ والدِّفاعيَّة والنُّهوض الاقتصادي، والمسؤولة عن توفير الرفاهية والازدهار لمواطنيها على قدر سواء.
- ضبطُ الخِطاب السياسي، بما يحمي لبنان من الاستغلال والابتزاز الخارجي.
- إطلاق حوار وطني صريح حول الانعكاساتِ السَّلبيَّةِ لوجودِ السِّلاح خارج إطار الأجهزة النِّظاميَّة بما في ذلك الأسلحة الفرديَّة المُتفلِّتة على الاستقرار الداخلي والاقتصاد الوطني والسلم الأهلي.
- وعلينا كلبنانيين أن نعي أن لا دولة تبنى باستقواء مكوّن على مكوّنات أخرى، بل بتوازن الحقوق والواجبات، ولا سيادةَ وطنيَّة تصان بتعدُّد الجيوش، ولا قوَّة سياسيَّة بتعدد التَّوجهات الفئويَّة أنما بوحدة الخيارات الوطنيَّة.
وإلى النُّخب الفكريَّة والسياسيَّة داخل البيئة الحاضنة نتوجه بالقول أنتم اليوم أمام مسؤوليَّة تاريخيَّة، باعتباركم الأقدر على إطلاق نقاش عقلاني شجاع داخل ما يسمّى بالبيئة الحاضنة، نقاش خارج الإطار التعبوي الفئوي، نقاش يغلِّبُ الاعتبارات الوطنيَّة على الانتماءات الفئويَّة، إن المخاطر المحدّقة بلبنان تستدعي منكم وقفة ضمير قبل أن تفرض علينا التَّحولات خيارات قاسية، لبنان واللبنانيون لم يعودوا يحتملون البناء على الأوهام، ولا التَّوجهات المتهورة، ولا إنكار التحوّلات، الخيار أضحى واضحاً ما بين منطق الدَّولة التي ترعى الجميع وعلى قدر المُساواة، ومنطق اللادولة الذي لا جدوى منه سوى المزيد من الفوضى والحروب غير المجدية.