في النظام اللبناني المذهبي الأعرج الأعور المقطوع منه الأمل، يستحيل على أي سياسي، كبيراً كان أم صغيراً، أن يفَكّر خارج قفص مذهبه، لينظر أبعدَ.. إلى طائفته، مثلاً، أو إلى الطوائف الأُخرى. كل مذهب يحدّد سياسييه الكبار الذين بدورهم يحدّدون الصغار مِن حولهم! لا رجاءَ في لبنان للعمل الوطني إلّا في بعض الحالات التي يكون فيها هَمّ مُشترَك. وبما أن المشترَك ضاع إلى غير رجعة، فإن أوسع ما هو مُتاح، الطيران.. في القفص!
لم يرضَ نبيه برّي، الالتزام بهذا القيد الإجباري، خصوصاً بعد وصوله إلى رئاسة المجلس النيابي، فحاول، وشُهِد لهُ مُحَالفوه ومخاصموه، بأنه ليس فقط مربّي أرانب الحلول على كافة صعُد حياة اللبنانيين ومشاكلهم «المعروضة» على مجلس النواب، بل «خالق» أرانب بالمعنى الاحترافي للكلمة. وعَلِمَ من البداية، أنه محكوم بمساحةٍ من السياسة اللبنانية التي يديرها ككلّ، معه، أربابٌ آخرون. فكانت بعض ضرباته السياسية على الحافر، وبعضها على السندان، في هندسة حضوره. وبَدا في بعض المراحل، وطنياً عاماً بامتياز، خصوصاً في تنظيم علاقاته مع الأحزاب والقوى السياسية، والكتّل النيابية المتعددة الرؤوس، ومعالجة الأمور المستعصية. لكنه بدَا في مراحل معيّنة، ولدى مواطنين من طوائف ومذاهب أخرى زعيماً مذهبياً، وكان هو يرى ذلك «طبيعياً» في لبنان.
لكنْ في السنوات الأخيرة، أي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما جرى بعدها، اعتمد الصبر الاستراتيجي على الطروحات السياسية التي تجوّلت وانتفخت وزمّت وتدحرجَت حتى قيل إنها مقدّمات حرب أهلية ما أنزل الله بها من سلطان في البلد، وكان يُنَظّم التعامل مع «خبْصَة» الداخل والخارج، وعينه الشخصية على علاقته العميقة والشفافة بالسيد حسن نصرالله. ومن نوافل القول أنه رفَض مغريات استثنائية، عربية وأجنبية للابتعاد مسافةً عن حزب الله، والاكتفاء بنفسه، وبحلفائه الذين كانوا «يجهّزونهم» له. وتلك ذهنية «خاصة» لدى طالبي النفوذ في لبنان، امتدت حتى اليوم، فكان وما زال يقال في العلاقة مع حزب الله، ويومياً أو دَورياً، إن خلافاً نشب بين بري وحزب الله، أيام السيد حسن نصرالله، كما في أيام الشيخ نعيم قاسم، بعدما بات معلوماً ومفهوماً، الاعتماد عليه، لدى كل الطائفة، في تجفيف مطامع «الآخرين»، أجانبَ غربيين وعجَماً وعرَباً، وضبطِها على دَوْزَناته للحلول، على اختلافها. ومَن كان وما برحَ يقول بالخلاف، جَهلَة لا يلتقطون الشيفرة الذاتية لعلاقة برّي بالحزب. شيفرة واضحة وغامضة. وهي في الأصل والمآل صعبة وتحتاج دقّة ملاحظة، ودقّة موازين، ودقّة استنتاجات.
حتى أن «المعارَضَة الشيعية» التي وُجِدت لمعارضة شيعة «الثنائي» (من رُبع قرن!) كانت، أحيانا تُنَصّبه «مطلوباً للعدالة» رقم واحد، فلم تؤثر فيه، وأحياناً كانت تحيّده في الانتقاد، عن حزب اللهُ، معتقدَةً أنها تفعل ما يقرّبها منه، فكان بري أخْبَرَ بتبديد ما تتعمّده تقرّباً، وما تنويه لَعِباً «وِلّادياً»، مدركاً من أين تنبع المعارضات وبرعاية مَن، وأين تصبّ، أو تحلم أن تصبّ!
نبيه برّي الذي عمِل ليومه كأنه عائش أبداً، يعمل اليوم لآخرته وكأنه يموت غداً. وما دامت الزعامة السياسية اللبنانية، تصبح مُطارَدة بالويل والثبور، إذا تجاوزَت «حدودها»، فإن نبيه برّي يكتفي اليوم بأن ينهي حياته السياسية رمزاً شيعياً يوازن رمزية السيد حسن نصرالله، في نظَر الجماعة الشيعية. فموقع نصرالله المقاوِم كان (ويبقى) مُحيِيَاً النفوس والقلوب بالمواقف والخطابات، وبالأنس الروحي الذي كان يميّز حضوره الشخصي (ويبقى)، وكل ما قاله على مدى ثلاثين عاماً، يُستعاد اليوم على قنوات التواصل الاجتماعي، بما يقدّم فكرة ساطعة عنه، هي أنه تنبّأ بما كان يُخطّط، وحصَل في لبنان والمنطقة بلداً بلداً، وحرفياً. ونبيه برّي شاركَه النظْرة ولو لم يشاركْه التفاصيل!
انتقل الحِمْل كلّه، الذي كان على كتفَيّ (كتف بأكتاف كثيرة) السيد حسن نصرالله، في الشق السياسي تحديداً، إلى كتفيّ (كتف بأكتاف كثيرة) برّي. ولا شك في أن الثقة التي كانت له في الحزب تضاعفت جداً، والثقة التي كانت تمنحه اياها إيران، هي الأخرى تضاعفَت. والرجل في السادسة والثمانين، ومطلوب منه ألا يعتزل أو حتى يفكّر في الراحة، فالطائفة في حاجته كلياً، وأكثر من السابق، ليردّ الكَيد الداخلي أولاً، والإسرائيلي ثانياً، والأميركي الناطق باسميهما، عنها، عبْر ابتسامته، وغضبه، وذكائه، ودهائه، وحجم احترام الجميع له، ومرونتِه في صلابتِه بمواجهة الغدر إذا وُجِد، والصدق إذا حضَر.
كأنما سيكون ممنوعاً على نبيه بري، في المرحلة الآتية، أن يغفو إلّا بعين واحدة وأخرى صاحية، ومحظورٌ أن يوجِعَه رأسه، وينبغي أن يُحمَى من أن تدقًهُ شوكة.
أمّا جماعةُ الوهم بالخلاف بين بري وحزب الله الذين لم يكفوا يوماً عن «إيجاده» بالقوة بينهما، فعليهم أن ييأسوا.. رغم ما يُقدَّم لهم من أموال «خارقة» جدار الصوت، لكنها عاجزة عن اختراق.. مفرق قصر عين التينة!
هذا الكلام يغيظ «العِدا» طبعاً.. الذين نصّبوا أنفسهم أعداء لطائفة تسبَح في مياه مقاوَمةِ إسرائيل ومشاريع نتنياهو المعروفة أو الجديدة المصرّح عنها، لاحتلال خمسة بلاد عربية بالكامل، ومنها في المناسبة لبنان، في حين يُسَبِّح «الآخرون»، في الدولة اللبنانية العُظمَى (إلّا مَن رحِم ربي) باسم ورقة توم باراك، باحثينَ عن بند، قد يكون سقَطَ سهواً تحت طاولة مجلس الوزراء في القصر الجمهوري، فيُعاد التقاطه، من أجل «اللولَحة» به في.. الدبكة اللبنانية!
لم يبقَ من العمر أكثر مما مضى.. قول يصحّ أيضاً في السياسة، لكن ظروفاً وحادثاتٍ كبرى يمكن أن تعدّل فيه صعوداً، والرئيس نبيه برّي وجدَ نفسه بعد رحيل السيد حسن نصرالله مجبراً على العودة شاباً، بمسؤوليات وجودية لطائفته التي تتكالبُ عليها قوىً طاحنة، وليس أمامها إلّا استلهام التحدّي من تاريخ قديم، وتاريخ جديد يُكتبُ اليوم... وبرّي أحد الأقلام التي لا يُبرَى خشبُها، وتُجيد الكتابة بحروف ثابتة، يظنّ البعض أنه يمكن التمرجُح على إيجابيتها بما يغيّر.. آخِرَتها!
لكنْ، مع نبيه برّي، عبثاً يفعلون، فالرجل يفكّر في آخِرَته، كاجتماعِ نِصْفَين: نِصْفٌ من بدايته مع مَن سلّمَه الإمانة السيد موسى الصدر، ونِصْفٌ مُكَمِّل من وصية السيد حسن نصرالله.