حبيب البستاني*
كان لافتاً ما حدث في المجلس النيابي من تطيير الجلسة التشريعية الأولى التي دعا إليها رئيس مجلس النواب، فلم يكتمل النصاب، بحجة أن الجلسة المذكورة لم يتم وضع في جدولها تعديل قانون الانتخاب، وذلك لتمكين المغتربين من الاقتراع في أماكن سكنهم للنواب الـ 128 الذين يشكّلون عدد أعضاء المجلس النيابي. إذن طارت الجلسة وراح المعطّلون يصرخون بأعلى أصواتهم، أنهم قد انتصروا وأنهم قد أحرزوا النصر المبين على رئيس المجلس النيابي، حتى أن بعض الغلاة منهم ذهب إلى حد القول أن نبيه بري قد انتهى، وأنه لن يستطيع بعد اليوم تأمين النصاب لعقد أي جلسة تشريعية إلّا بعد التفاهم معهم على جدول أعمالها.
ذاب الثلج وبانَ المرج
ولكن وبعد هذه الهمروجة سرعان ما ظهرت الحقيقة وبانَ الخيط الأبيض من الأسود، وبعد التدقيق بأسماء عدد النواب الحاضرين وأسماء النواب المقاطعين للجلسة، تبيّن أن عدداً لا بأس به من المقاطعين كانوا من جماعة رئيس المجلس لا بل أن قسماً منهم كان من ضمن كتلة التنمية والتحرير التابعة لرئيس حركة أمل، والأنكى من كل ذلك فلقد تم لاحقاً الإعلان عن اجتماع سري كان قد عقد بين علي حسن خليل وجورج عدوان عشية انعقاد الجلسة موضع الجدل، وأفضى إلى اتفاق بين الرجلين على السيناريو الذي أدّى إلى تطيير النصاب وبالتالي تطيير الجلسة. جرى كل ذلك على مرأى ومسمع من الناس فكانت أرانب الرئيس بري حاضرة في الجلسة، وما أكثر هذه الأرانب، بحيث أن اللعبة كانت ملعوبة وكان كل ما حدث فيها يدخل من ضمن التفاهمات ومن ضمن الخطوط المرسومة التي لم تتجاوز يوماً الخطوط الحمر، فما يصرح به المؤيدون من انتصارات هو غير ما يتم الاتفاق عليه تحت الطاولة، واتفاق رئيس المجلس مع الخصوم أو الحلفاء لا فرق هو أمتن من أن يودي به مشروع قانون من هنا أو مشروع قانون من هناك، فلو كان المطلوب إشراك المغتربين في العملية الانتخابية إقتراعاً وترشيحاً لكان بعض صقور الأكثرية قد اتفقوا على حل وسط كان ميسّراً، وبحيث يصار إلى انتخاب المغتربين للنواب الستة المخصصين لقارات الاغتراب. ولكن المطلوب هو عملية شدّ عصب عشية الانتخابات النيابية بحيث يُظهر البعض نفسه وكأنه حامي المسيحيين والمحافظ على حقوقهم فيما يظهر الفريق الآخر وكأنه المحافظ على حقوق المسلمين، ولو طالت عملية شدّ الحبال لكنا سمعنا قرع أجراس من هنا وانطلاق آذان من هناك ولكن الله ستر وسرعان ما ذاب الثلج وبانَ المرج.
شهادة الخارج والدولة الفاشلة
لم يكن ينقص اللبنانيين إلّا تصريح برّاك للدلالة على أن لبنان هو دولة فاشلة، وكأن اللبنانيين كل اللبنانيون لا يعون هذه الحقيقة المرّة التي تقول باننا لا نملك دولة بالمعايير المعترف بها دولياً، فبغض النظر عن الموضوع الأمني والسيادي والذي تخطّى الاستراتيجية الدفاعية وما اتفق على تسميته استراتيجية الأمن الوطني، والتي أصبحت مجرد سطر في خطاب القسم ومجرد بند في البيان الوزاري، الذي لم تكلّف الحكومة عناء مناقشته والدعوة إلى اجتماع حوله. فأصبح موضوع الدفاع يشكّل بنداً ثانوياً من اهتمامات الدولة العالية، وكأن هذا البند قد تم ترحيله إلى اهتمام المراجع الدولية والأممية وإلى اهتمام لجنة الميكانيزم في أحسن الأحوال.
الاقتصاد والمال وأموال اللبنانيين
الدولة فاشلة وقد أعلنت فشلها في موضوع معالجة الشأن المالي والاقتصادي، فبالرغم من جهابذة المال والاقتصاد التي يتشكّل منها أعضاء الحكومة، فإنهم لم يستطيعوا بعد التصدّي لمعضلة المصارف ولم يتمكنوا بعد من رسم سياسة واضحة لإعادة هيكلة المصارف، تقضي باتباع الخطة العلمية القائمة على ضرورة دمج المصارف وتصفية تلك العاجزة عن السداد وتصفير ممتلكاتها وممتلكات أصحابها من مساهمين ومشاركين، بحيث يقتصر عدد المصارف اللبنانية على رقم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وبدلاً من كل ذلك فإن الحكومة خضعت لمافيات المال والأنكى أنها عملت على إطلاق سراح المتهم الرئيسي ألا وهو حاكم البنك المركزي. وهكذا نرى في النهاية أن الأكثرية متفقة على التعطيل ولكنها عاجزة عن حكم البلد ورسم سياسة إنقاذية تعمل على انتشال البلد من كبوته.
* كاتب سياسي