بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 تشرين الأول 2025 12:00ص لا يفرّقون بين الجواهر والحصى

حجم الخط
ما دفعَني إلى كتابةِ هذا المقال، إتّصالٌ وردني نهار الأحد الماضي من صديق العمر الرئيس اميل لحود. تحدَّثنا خلالَه أكثر من نصف ساعةٍ في شؤونِ، وشجونِ هذا الوطن، وفي ذكرياتٍ كادت أن تُنسى.
عندما أستعرضُ تاريخَ هذا البلد، أرى أنَّ هذا الوطنَ عرفَ رؤساءَ ومسؤولين، في منتهى النزاهةِ ونظافةِ الكف. كما عرفَ آخرين لا علاقةَ لهم ولا قربى بالنزاهة، والكفّ النظيف. ولكن مع الأسف، الكبارُ منّا لا يتذكّرون، وشبابُنا لا يعلمون. وبالتالي لا يفرّقون بين الجواهرِ والحصى كما قالَ جبران خليل جبران.
لا يمكنُ لأيّ منصفٍ أن ينكرَ نزاهةَ سليم الحص، وحسين الحسيني، وكامل الأسعد، ورشيد كرامي وأخيه عمر مع حفظِ الألقاب، ولا يمكنُ لأيّ انسانٍ أن يتَّهم فؤاد شهاب سركيس، وريمون ادّه، وشارل حلو، أو تقي الدين الصلح بالذمَّةِ الماليّة، وكثيرون لا يسمحُ المجالُ لذكرهم فأستميحُهم بالذمَّة.. عذراً.
وبعودةٍ للرئيسِ أميلَ لحودٍ، لقد كانَ قائداً للجيشِ. ولقائدِ الجيشِ عادةُ أموالٍ خاصّةٍ موردُها الأساسي (تسمّى القرشُ والقرشين)، يضافُ إليها بعضُ الهباتِ وما يتمّ توفيرُه، وقانوناً يستطيعُ قائدُ الجيشِ أن يتصرّفَ بهذهِ المبالغِ كما يريد. وهذا ما كانَ يحصلُ مع كلّ من تولّى هذا المنصب.
عندَ تسلّمِ المغفورِ لهِ العميدِ أكرمَ جابرَ رئاسةَ نادي الضبّاطِ المركزيِّ الحمَّامِ العسكري، استطاعَ بنزاهتِه وكفاءتِهِ أن يوفّرَ أكثرَ من مليونِ دولارٍ وضعَها في تصرّفِ قائدِ الجيش، عندَها قرَّرَ القائدُ اميلَ لحودٍ إضافتَها إلى ما توفَّر، وإنشاءَ نوادٍ للضبّاطِ والرتباءِ في المناطق، ومنها مجمّعٌ عسكريٌّ في الكسليكِ أرادَهُ القائدُ بيتَ راحَةٍ Maison de Repos، للضباطِ المتقاعدينَ الذينَ لا معينَ لهم ولا قريبٍ يحفظُ كرامتَهُم في آخرتِهم. أصبح اميل لحود رئيساً للجمهوريّة واعترفَ له الأعداء بنظافة الكف، ثمّ غادرَ الرئاسة مع سمعةٍ عطرة.
أصبحَ اميل لحود رئيساً للجمهوريّة، واعترفَ له الأعداءُ بنظافةِ الكف، ثمَّ غادرَ الرئاسةً مع سمعةٍ عطرة.
صباح الأحد، وخلالَ حديثي المطوَّل مع الرئيس، ذكرَ لي أنَّ أحدَ رؤسائِنا من عائلةٍ كريمة، ومن كبارِ ضبَّاطِ الجيش، يقيمُ حاليَّاً في مأوى لكبارِ السن، كونَ أولادِه خارجَ البلاد. تأثّرتُ كثيراً، وذكّرني السيّد الرئيس بمشروعِه السابقِ في الكسليك، الذي أهملَه من جاءَ بعده، ولا لزومَ للتفاصيلِ ولا لنشرِ الغسيل.
المهمُّ أن يفهمَ الشعبُ المقيمُ حالياً في مغارةِ علي بابا من كانَ يحكمُ هذا البلد، ويفرّقُ بينَ الصالحِ والطالحِ، وبينَ الجوهرةِ والحصاة، وإلّا لن يكونَ هنالكَ وطنٌ كما نحلم.