«استعادة الدولة تبدأ بإعادة مؤسساتها إلى مكانها الطبيعي»... بهذه العبارة المكثّفة افتتح بهاء رفيق الحريري مقاربته للمسار الديمقراطي في لبنان، واضعاً إصبعه على جوهر الأزمة التي تضرب النظام السياسي منذ عقود. فالجملة، رغم قصرها، تختصر تاريخاً طويلاً من سوء الممارسة الديمقراطية ومن الهيمنات التي صادرت القرار السيادي، ودفعت مؤسسات الدولة إلى الخروج عن دورها الطبيعي، ما أدّى إلى تشوّه عميق في هوية لبنان وصورة نظامه كما أُريد له أن يكون.
هذه العودة إلى بديهيات الدولة، التي يدعو إليها الحريري، ليست مجرد موقف سياسي، بل هي استعادة لمشروع تأسيسي بُني لبنان على أساسه: دولة القانون، المؤسسات، التعددية، التداول السلمي للسلطة، واحترام إرادة الناس. فلبنان، الذي لم يُصنع هبةً من أحد، بل بُني بإرادة شعبه منذ عشرينيات القرن الماضي، ما زال يحمل في ذاكرته مراحل متقدّمة من التجربة الديمقراطية في الشرق الأوسط، تلك التي جعلته يوماً واحة سياسية في محيط مضطرب.
فهذه الدولة التي تبلورت مع مجلس المندوبين في عهد الانتداب، وترسّخت مع الاستقلال عام 1943، ونمت مؤسسياً في «النهج الشهابي»، ثم نهضت من رماد الحرب على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تتعرّض اليوم لأعمق اهتزاز في تاريخها. ولذلك، فإن العودة إلى الجذور ليست ترفاً فكرياً، بل خطوة ضرورية لفهم كيف وصلت البلاد إلى هذا الانهيار، وكيف يمكن (وهذا الأهم) إعادة بناء الثقة بالدولة.
****
• الجذور الأولى
قبل أكثر من قرن ونصف، رسم نظام المتصرفية (1861–1915) أول معالم تجربة سياسية قائمة على «التوازن» و«التمثيل» بين الطوائف. فالمجلس الإداري الذي استحدثه النظام لم يكن برلماناً كاملاً، لكنه كان خطوة أولى نحو إشراك مختلف فئات المجتمع في إدارة الشأن العام. هذه التجربة رسّخت مبكراً فكرة المشاركة، ولو في إطار محدود، ومهّدت لنشوء مفهوم الدولة الجامعة لا دولة الطائفة.
ومع الانتداب الفرنسي (1920–1943)، وُضع دستور 1926، الذي شكّل نقلة نوعية في الحياة السياسية اللبنانية. فقد أسّس لنظام برلماني بملامح حديثة، اعترف بالتعددية وبالتنظيم الحزبي، وكرّس فصل السلطات، ولو نظرياً. ورغم أن الانتداب كبّل السيادة، إلّا أن هذا الدستور وضع اللبنات الأولى للمؤسسات التي ستقود الدولة بعد الاستقلال.
• الاستقلال ونموذج لبنان الفريد
مع الاستقلال عام 1943، وُلد «الميثاق الوطني» الذي أعطى لبنان صيغة توافقية متوازنة بين المسلمين والمسيحيين، قائمة على مبدأ «لا شرق ولا غرب». لقد شكّل هذا الميثاق، رغم طابعه غير المكتوب، قاعدة توزّعت من خلالها السلطات بين الطوائف، وأعطى لبنان نظامه القائم على الشراكة، لا على الغلبة.
تميّز لبنان المستقل بـ: تعددية سياسية وحزبية واسعة تعكس تنوّع المجتمع، إضافة إلى حرية صحافة رائدة جعلت بيروت منارة للنشر والحوار العربي، فضلاً عن قضاء مستقل نسبياً يحمي الحقوق ويصون الحريات، وكذلك مجتمع مدني حيوي: نقابات، اتحادات، منتديات فكرية. والأهم من ذلك كله، تداول سلمي للسلطة عبر انتخابات دورية، في وقت كانت فيه المنطقة غارقة في الانقلابات والحكم العسكري.
هذا النموذج، بما حمله من ليبرالية وانفتاح، جعل لبنان مساحة سياسية فريدة في الشرق الأوسط، وبيئة جاذبة للثقافة والإعلام والاقتصاد.
• الشهابية والدولة الحديثة
في الستينيات، دخلت الدولة مرحلة مفصلية مع وصول فؤاد شهاب إلى الرئاسة. فقد أدرك شهاب أن الديمقراطية لا تُبنى فقط على التوازنات السياسية، بل على مؤسسات قوية قادرة على العمل خارج تأثير الزعماء. لذلك، أطلق مشروعاً تحديثياً واسعاً شمل:
- إصلاح الإدارة العامة.
- إنشاء أجهزة رقابية فاعلة.
- تعزيز الخدمة المدنية.
- تحديث البنى التحتية والخدمات.
- اعتماد معايير الكفاءة والشفافية.
«النهج الشهابي» لم يكن مجرد إصلاحات إدارية؛ بل كان محاولة لترسيخ الدولة كمرجعية وحيدة فوق القوى النافذة، وإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والسلطة. وقد أسس هذا النهج لمرحلة ازدهار سياسي واقتصادي واجتماعي، ولتراكم مؤسساتي ظلّ قائماً رغم العواصف اللاحقة.
• الطائفية والضغوط الخارجية قبل الحرب
رغم قوة النموذج اللبناني، حملت بنيته تناقضات خطيرة، حيث أن الطائفية السياسية التي ربطت الولاءات بالانتماءات الطائفية، كما أن فوارق اجتماعية واقتصادية اتّسعت تدريجياً، فيما التدخّلات الخارجية جعلت لبنان ساحة صراع إقليمي، في حين أن التوزيع الطائفي للسلطة أضعف الدولة المركزية.
ومع تصاعد التوترات الداخلية والإقليمية، دخل لبنان في مسار الانفجار.
• الحرب الأهلية وسقوط الدولة وصعود الميليشيا
بين 1975 و1990، تفكّكت مؤسسات الدولة تحت ضربات الحرب الأهلية. فقد تراجعت السلطة المركزية لحساب الميليشيات، ونُسفت الثقة بالنظام السياسي، ودُمّر الاقتصاد، وانقسم المجتمع عمودياً. والأخطر أن الحرب كرّست واقع «الدولة الغائبة»، وعمّقت دور السلاح غير الشرعي في الحياة السياسية.
• مرحلة ما بعد الحرب - الطائف ورؤية الحريري
مع اتفاق الطائف عام 1989، وُضعت أسس جديدة لبناء الدولة الموحدة. وكان للرئيس الشهيد رفيق الحريري دور محوري في ترجمة هذا الاتفاق إلى مشروع وطني شامل، هدفه:
- إعادة توحيد المؤسسات.
- إعادة إعمار البلاد.
- تعزيز الاقتصاد.
- ترسيخ الشراكة الوطنية.
- بناء دولة حديثة منفتحة على الاستثمار والثقافة والتعليم.
الحريري أعاد تقديم لبنان إلى العالم بصورة مشرقة؛ دولة قادرة على النهوض، وذات اقتصاد واعد، ونظام ديمقراطي قابل للحياة.
• الوصاية ثم السلاح وخطف الدولة
لكن السنوات التالية شهدت إخضاع الدولة لمنظومات سيطرة داخلية وخارجية؛ الوصاية السورية التي حوّلت البرلمان والحكومة إلى أدوات لتسجيل القرارات، وفرضت تمديد الرئاسات وتغيير القوانين الانتخابية. فيما بقاء السلاح خارج الدولة أنتج ازدواجية أمنية وعسكرية، مع تسييس القضاء وتعطيل المحاسبة، والفساد البنيوي الذي استنزف موارد الدولة، والانهيار المالي الذي ضرب الطبقة الوسطى وفكّك المجتمع.
• ديمقراطية بلا دولة.. ودولة بلا قرار
كان لبنان من أوائل دول المنطقة التي كرّست تداول السلطة واحترام خيار الناس. لكن المفارقة أنه يقف اليوم على حافة انهيار كامل لنظامه الديمقراطي. فيما المنطقة كلّها تعيش تحوّلات كبرى، من المشهد العراقي المتسارع إلى الانتخابات في سوريا، تتقدّم شعوب المنطقة نحو رفض الوصايات والتدخّلات وفساد المنظومات الحاكمة.
أما لبنان، فهو أمام مفترق بالغ الحساسية؛ إما أن يستعيد الدولة، وإما أن يواصل الانحدار نحو نموذج «البلد المنهار» الذي يفقد قراره وسيادته ودوره التاريخي.
****
الطريق إلى الإنقاذ معروف، وقد يكون الطريق طويلاً وشاقاً، لكن بدايته واضحة؛ مواطن يؤمن بالمواطنة، وقيادات تلتزم بإعادة الدولة إلى أهلها، لا إلى شبكات الزبائنية ولا إلى السلاح الخارج عن الشرعية ولا إلى منظومات الهيمنة.
وهذا تحديداً ما قصده بهاء رفيق الحريري حين قال إن «استعادة الدولة تبدأ بإعادة مؤسساتها إلى مكانها الطبيعي». فحين تعود المؤسسات إلى وظيفتها، يعود لبنان إلى نفسه.. وإلى دوره التاريخي في المنطقة، دولةً للديمقراطية، والتنوّع، والانفتاح، وسيادة القانون.