بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 كانون الثاني 2026 12:20ص لبنان بين انتظار الخارج وواجب إنقاذ الذات

حجم الخط
لم يعد لبنان يملك ترف الانتظار، لا لتسويات دولية ولا لوساطات إقليمية، فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، مستهدفة القرى والمدنيين، في مشهد يعيد التذكير بهشاشة الوضع الأمني وغياب القرار السيادي الجامع. وفي الوقت نفسه، يتواصل الضغط الخارجي على الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيدها، كشرط أساسي لأي مسار دعم أو استقرار طويل الأمد، إلا أنّ الواقع الداخلي ما زال أسير الانقسام والمراوحة.
فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يَعِدُ بالإصلاحات المالية والإدارية، وبالمضي في خطة حصر السلاح، إلا أنّ التنفيذ ما زال بطيئاً، مما يضعف مصداقية الدولة أمام المجتمع الدولي. لقد تعطّل «الميكانيزم» الذي كان يُفترض أن يشكّل جسراً بين لبنان والدول الداعمة، ولم تعد الوعود وحدها كافية لإقناع الخارج بجديّة الداخل. فسياسات الدول تغيّرت، والمجتمع الدولي لم يعد مستعداً لتقديم الهبات المجانية، أو ضخّ الأموال دون ان ترى خطوات جدية نحو استعادة السلطة العسكرية والإصلاحات الاقتصادية .
هذا التحوّل كان واضحاً في رسائل الموفدين السياسيين والدبلوماسيين، الذين شدّدوا مراراً على قاعدة بسيطة: على لبنان أن يساعد نفسه أولاً. وجاء مؤتمر دافوس ليعكس هذه الحقيقة بوضوح. ففي وقت تتنافس الدول على عرض إنجازاتها، وتسويق اقتصاداتها، وحجز مكان لها على طاولة القرار العالمي كي لا تكون على «لائحة الطعام»، كم ورد في خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وقف لبنان على الهامش، يراقب ويترقّب، باحثاً عن فرصة إنقاذ بدل أن يكون شريكاً في صنعها.
المفارقة أنّ لبنان يمتلك من مقوّمات النهوض ما يفوق كثيراً من دول المنطقة، سواء على مستوى الكفاءات البشرية أو الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي. غير أنّ غياب الاستقرار الأمني والسياسي، وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي، حوّلاه إلى بيئة طاردة للاستثمار. فالمصارف، التي تشكّل الشريان الحيوي لأي اقتصاد، ما زالت عالقة في أزمة ثقة عميقة، من دون رؤية واضحة لإعادة هيكلتها أو حماية حقوق المودعين.
إنّ استمرار الخطاب التصعيدي ضد الدولة ومؤسساتها، أياً كان مصدره، لا يضعف الداخل فحسب، بل يوجّه رسالة سلبية إلى الخارج، مفادها أنّ لبنان غير قادر على إدارة نفسه. ومع كل استحقاق لا يُنجز، تتآكل الثقة أكثر، وتتقلّص الفرص، وتبتعد الدول التي كانت تُصنَّف «صديقة».
يقول الله تعالى:(إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم). والسؤال اليوم ليس ما إذا كان الخارج مستعداً لمساعدة لبنان، بل ما إذا كانت الطبقة السياسية مستعدّة لتغيير نهجها، قبل أن يتحوّل هذا الوطن من دولة مأزومة إلى فرصة ضائعة نهائياً.