بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 آذار 2025 12:00ص لبنان على عتبة العصر الإقطاعي

حجم الخط
 د. حسن محمود قبيسي*

الإقطاع هو خضوع المرء - طوعاً بداية أو كُرهاً فيما بعد - من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية إلى  الكنيسة أو إلى رجل أسمى منه منزلة في مقابل تنظيم اقتصادي وحماية عسكرية.
في غياب دولة الرعاية والحماية وتقهقرها أمام السلطة الغاشمة  محلية أو أجنبية، عرفت المجتمعات الإنسانية والناس بمفردها وبجمعها العصر الإقطاعي بما له وعليه.
فبعدما تعجز السلطات المركزية عن حماية الأجزاء النائية عن عواصمها؛ وبعدما يعجز المرء عن حماية أسرته – وهو رأسها ومنها – وتأمين مستلزماتها الحياتية، يعرض أرضه على أمير قوي أو على متنفذ معروف للاحتماء به من ظلم الولاة وعسف الجباة واعتداء الصعاليك، ويطلب  إليهم نظير ذلك   حمايته وإطعامه وأسرته، دون أن يتحسب لما بعد ؛ ويرتضي أن يعيش  عيشة  الأقنان الذين تنازلوا عن  حرياتهم نتيجة لظروفهم المعيشية  و حفاظًا  على أمنهم؛ نظير حمايتهم و إطعامهم و إيوائهم.
في العصور الإقطاعية، نظام  وسلطة وحكم بقواعد وأساليب والتزمات جديدة، دون حقوق متوازية: أقام الأسقف أو الإقطاعي المحلي نظاماً في مقاطعته وهيئة للدفاع عنها، وظل محتفظاً بقوته ومحاكمه الخاصة؛ فيصير له نوع من «حق الحماية» عليهم ويتحوّلون إلى أتباع له وفلاحين في الأرض التي غدت أرضه، أو يتسلّمها بعضهم منه ثانية على سبيل الإقطاع فيصيرون تنَّاء (مفردها تانئ ويقابلها الدهقان بالفارسية) وهم المستوطنون المستقرون في الأرض من أصحاب الضياع.
وللإقطاعي أن يبيع  الأرض وأقنانها فيتاجر  بالأرض  وبشرها دون أي رادع خلقي.
أما على صعيد الحكم والسياسة، فعُرف عصر الإقطاع بكثرة الفتن والحروب، في ظل عدم وجود مبدأ ثابت لتداول السلطة غير القوة والاغتصاب.
ونحن في لبنان على مسافة خطوتين من تلك الحالة الكارثية وما قد تحمله من اقتتال و تفتيت.

*****

إلى التاريخ، لا لنكرر ما وقع فيه الأقدمون؛ بل للمقاربة والاتعاظ وتفادي الكوارث والمآسي من قتل وتدمير وتهجير، وانهيار كيانات وطنية  وأوطان وتفتيتها.
وقد مررنا بمثل تلك  التجربة في  أكثر من مرحلة من تاريخنا، واحدة  على  نطاق جغرافي ضيق (1840- 1861)، حين أحبط آل الخازن  إصلاحات السلطنة العثمانية  وساقوا والكنيسة  أتباعهم  الفلاحين  الموارنة إلى اقتتال ضد  الفلاحين الدروز ومقاطعجيهم، وآخرها كانت الحرب الأهلية (1975-1990). وقتها لم يكن لأصحاب القرار الإقليميين -مجتمعين وآحادين -   مصلحة في تغيير وضعية لبنان «الكبير» فكان  «اتفاق الطائف» نسخة منقحة – لا متطورة - عن  بروتوكول 1861، وبقي الحال كما كان إلى أجل مؤجلٍ لا غير مسمّى.
فماذا عن هذه  حالنا اليوم؟!

*****

في لبنان اليوم  سلطة -لا دولة-  جباية عاجزة عن تأمين  مستلزمات الحياة أمناً ومعيشة  ورعاية. 
وعاجزة عن حماية  ناسها  وشعبها، فذهبت كل فئة إلى  الحماية الذاتية وتدبير أمورها الحياتية.
مكونات وطوائف وأعراق  في جغرافيا شكل منها الانتداب الفرنسي عام 1920 «دولة لبنان  الكبير»، وفيه  رواسب من صراع  المقاطعجية الطوائفيين وارتباطاتهم  بالأجنبي استقواء على جيرانهم الذين صاروا مواطنيهم.
عدو صهيوني طامع محتل منذ عام 1923، في دورات عدوانية   متكررة.
حكم مستبد يتوارثه الأبناء والأصهار والأحفاد، ويتناتشه مقاطعجية سموا – تلطيفاً- رؤساء وأمناء عامون ومراجع دينية و«مارونية سياسية»  و«إسلام  تقليدي»، وعلى يمين الأولى «القوات  اللبنانية» وعلى يسار الثانية «القوى التقدمية  واليسارية» بمسمياتها وجبهاتها. وأزلام وتنَّاء ينادَون رفاق وإخوة نضال.
فساد مستشري وهدر ومحسوبيات ومستزلمين وطوائفية  ومذهبية، بعد عقود من الحرمان والاستقواء بالخارج بذريعة  الخوف من  المحيط .
وفيه، كل دافع عن لبنان وحمل راية الدفاع عن لبنان وأهله وشعبه، بمواجهة عدو لأهله وناسه ومجتمعه. 
واجه بعضهم الصهيوني وآخر  الفلسطيني والثالث السوري، في دورات اقتلاع واقتطاع وابتلاع  فاشلة. وتقاتلوا  فيما بينهم.
والمحصلة فوضى عارمة: قتل وتدمير وتهجير وتجويع وتجهيل، وضعتنا على أعتاب نظام إقطاعي ما أسرع ما سنتخطى أعتابه إلى  مواخير عصر المقاطعجية الجدد.
الكل في حاجة إلى متطلبات واحتياجات بديهية، ولا تكون إلّا بالاستقرار، ولا تحققه إلّا دولة قوية عادلة، وإن تقاعست  فالطريق إلى المنتهى، عصر الإقطاع الجديد  بفتنه واقتتال اللبنانيين وتفتيته وتقسيمه وعودة إلى زمن ضعف السلطنة العثمانية، زمن «كل من أيده له».

* مؤرخ وكاتب سياسي