في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، يتصدّر لبنان مجدّداً دائرة الضوء الدولية والعربية على نحو لم يشهده منذ سنوات طويلة. هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير برمزيته، يجد نفسه اليوم في قلب تحوّلات سياسية تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط. فثمة إشارات متراكمة تؤكد أن الولايات المتحدة تولي لبنان اهتماماً متزايداً، وأنّ دولاً عربية أساسية عادت إلى مقاربة ملفه بجدّية لافتة. وفي خضم هذه الحركة الدبلوماسية النشطة، يمتلك لبنان فرصة تاريخية ليعيد تعريف موقعه ودوره، شرط أن يُحسن قراءة هذه اللحظة والتصرّف بواقعية ومسؤولية.
من بين المؤشرات البارزة على تبدّل النظرة الأميركية إلى لبنان، يبرز تعيين السفير الأميركي الجديد في بيروت ميشال عيسى، وهو من أصول لبنانية، إلى جانب بروز عدد من الشخصيات اللبنانية الأصل في مواقع صنع القرار داخل الإدارة الأميركية. فالمستشار الأقرب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسعود بولس هو لبناني الأصل، وكذلك السفير الأميركي في تركيا ومبعوثه الى سوريا طوم باراك.
هذه المعطيات لا يمكن قراءتها كصدفٍ متفرقة، بل كجزء من مقاربة أميركية جديدة. إذ يبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن مقاربة الملف اللبناني تستدعي فهماً عميقاً لطبيعة التوازنات الطائفية والسياسية، وإدراكاً للتعقيدات التاريخية التي جعلت من لبنان ساحة تقاطع لمشاريع متنافسة. لذلك فإن اختيار شخصيات من أصول لبنانية قد يكون تعبيراً عن رغبة في بناء جسر تواصل أعمق مع المجتمع اللبناني، والابتعاد عن الصورة النمطية للدبلوماسية الأميركية التي طالما وُصفت بالبرود أو بالتدخّل المباشر.
هذا الاهتمام لا ينفصل عن مشهد أوسع. فالإدارة الأميركية، التي أعادت تموضعها في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، تسعى اليوم إلى ترميم شبكة حضورها في المنطقة بعد أن تركت فراغاً ملأته قوى إقليمية أخرى. والملف اللبناني، الذي كان يوماً ما ثانوياً في جدول أولويات واشنطن، يعود اليوم إلى الواجهة لاعتبارات أمنية واستراتيجية واقتصادية.
أمنياً، لا تريد الولايات المتحدة أن يتحوّل لبنان إلى ساحة فوضى مفتوحة تساهم في موجات جديدة من النزوح أو في خلق فراغ أمني على حدود المتوسط الشرقي. واستراتيجياً، تدرك أن لبنان يقع في نقطة التماس بين النفوذين الإيراني والغربي، وأن استقراره يشكّل عنصراً أساسياً في توازن القوى في المشرق. أما اقتصادياً، فإن أي نهوضا لبنانيا سيُعيد فتح أبواب استثمارات كبرى في قطاعات الطاقة والموانئ والاتصالات، وهي ملفات ترتبط بمصالح أميركية مباشرة.
إلى جانب هذا الاهتمام الأميركي المتنامي، يمكن رصد عودة عربية متدرجة إلى لبنان بعد سنوات من الانكفاء، نتيجة المسار السياسي اللبناني السابق. فالمبادرات الخليجية والمصرية باتت أكثر وضوحاً، وتكثّفت الزيارات الدبلوماسية واللقاءات التنسيقية في الأشهر الأخيرة. ويبدو أن العواصم العربية أدركت أن ترك لبنان يغرق في أزماته ليس خياراً ممكناً، لأن انهياره الكامل ستكون له ارتدادات على المحيط العربي كله، من الأمن الإقليمي إلى صورة العالم العربي أمام المجتمع الدولي.
لبنان ما زال، رغم كل جراحه، يشكّل مساحة رمزية للحرية والانفتاح الثقافي والفكري. ولذلك فإن إعادة دمجه في الحاضنة العربية ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية والعودة العربية إلى بيروت تحمل في طياتها بعداً يتجاوز الاقتصاد أو الدعم الإنساني، لتلامس عمق الهوية والموقع، وتعيد طرح السؤال حول دور لبنان بوصفه جسراً حضارياً لا ساحة تناحر.
غير أن التحدّي الأكبر يكمن في الداخل اللبناني نفسه. فكل اهتمام خارجي، مهما بلغ حجمه، سيبقى بلا أثر إن لم يترافق مع إرادة لبنانية صادقة في الإصلاح والإنقاذ. فالمجتمع الدولي والعربي باتا يدركان أن أزمات لبنان ليست ناتجة فقط عن عوامل خارجية، بل عن خلل بنيوي في الإدارة والحوكمة وانقسام سياسي مزمن يحول دون أي مشروع وطني جامع.
إنّ استثمار اللحظة الراهنة يتطلب من اللبنانيين إعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة ومواطنيها، وبين لبنان وشركائه. وهذه الثقة لا تُستعاد بالبيانات ولا بالخطابات، بل بخطوات إصلاحية ملموسة تبدأ من استقلال القضاء وتحديث مؤسسات الدولة، مروراً بخطة اقتصادية شفافة، وصولاً إلى سياسات خارجية متوازنة تضع مصلحة لبنان فوق أي ولاء إقليمي أو حزبي.
في هذا السياق، لا بد من أن يتبلور خطاب لبناني جديد، يعيد تعريف مفهوم «الحياد الإيجابي» أو «الانفتاح المتوازن»، بحيث يتمكن لبنان من الاستفادة من الزخم الدولي دون أن يتحوّل إلى ورقة في صراع القوى الكبرى. فلبنان الذي نجح تاريخياً في الجمع بين الشرق والغرب قادر، إذا توفرت الإرادة السياسية، أن يلعب مجدّداً دور الوسيط الثقافي والحضاري في المنطقة.
لا يمكن الحديث عن الاهتمام الأميركي المتجدد دون التوقف عند الجاليات اللبنانية المنتشرة في الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا والخليج. هذه الجاليات تمثل قوة ناعمة هائلة للبنان، سواء من حيث القدرات الاقتصادية أو النفوذ السياسي أو الكفاءة العلمية. واليوم، مع صعود شخصيات لبنانية الأصل إلى مواقع القرار في واشنطن، تبرز فرصة حقيقية لتفعيل هذا الدور وربطه بالداخل اللبناني ضمن رؤية وطنية متكاملة.
لقد آن الأوان لأن تنظر الدولة اللبنانية إلى المغتربين لا كرافد مالي فقط، بل كشركاء في رسم السياسات العامة، وصانعي رأي يمكن أن يسهموا في تحسين صورة لبنان عالمياً، واستقطاب الاستثمارات والمبادرات التنموية إليه.
قد يختلف المراقبون حول دوافع الاهتمام الأميركي والعربي بلبنان، بين من يراه مصلحة استراتيجية ومن يراه تعاطفاً ثقافياً أو حتى محاولة لإعادة النفوذ. لكن المؤكد أن هذه اللحظة تشكّل تقاطعاً نادراً لمصالح القوى الكبرى والإقليمية حول ضرورة بقاء لبنان مستقراً. وهذا وحده كافٍ ليُعيد للبنان وزناً كان قد فقده في السنوات الماضية.
إلّا أن التاريخ يعلّمنا أن الاهتمام الخارجي لا يدوم طويلاً ما لم يجد في الداخل شريكاً جديراً بالثقة. لذلك، فإن مسؤولية النخب السياسية والفكرية اللبنانية مضاعفة اليوم: عليها أن تلتقط إشارات التحوّل، وتترجمها إلى برنامج وطني جامع، بعيداً عن الحسابات الطائفية والرهانات الإقليمية.
إنّ الاهتمام الأميركي والعربي الراهن بلبنان ليس مجرد حدث دبلوماسي، بل مؤشر على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية برمّتها. ولبنان، الذي كان لعقود مختبراً لتجارب التعايش والتنوّع، يمكن أن يستعيد دوره الريادي إذا اختار طريق الإصلاح والاعتدال والانفتاح.
إنها لحظة اختبار حقيقية للنخبة اللبنانية: هل تستطيع تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى رافعة للإنقاذ، أم تتركه يضيع في دوامة الانقسامات؟ التاريخ لا يمنح الفرص مرتين، واللبنانيون أمام فرصة نادرة ليكتبوا فصلاً جديداً من قصتهم، قصة بلدٍ صغيرٍ يعرف كيف يبقى كبيراً في قلب العواصف.