لم يكن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي انفجر في لبنان في خريف عام 2019 حدثاً مفاجئاً ولا وليد خطأ تقني أو ظرف استثنائي. بل كان في جوهره نتيجة طبيعية لمسار طويل من تفكيك الدولة وتشويه مفهوم العدالة واستبدال منطق القانون بمنطق القوة، حتى باتت الحقوق تُنتزع بالصراخ والضغط ولا تُنظَّم عبر المؤسسات والمعايير.
ومن بين أخطر محطات هذا المسار تلك التحركات المطلبية الفوضوية التي سبقت 17 تشرين الأول 2019 والتي قامت على قاعدة غير معلنة لكنها حاكمة... من يملك القوة يفرض قانونه.
في السنوات التي سبقت الانهيار شهد لبنان تحركات مطلبية واسعة، قادها عسكريون متقاعدون نال بعضهم ترقيات استثنائية من دون جهد فعلي وخارج أي منطق مهني يحفظ هرمية المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي هرمية تُشكّل في الدول الحديثة شرطاً أساسياً للاستقرار والانضباط. ولم تُدار هذه التحركات ضمن رؤية إصلاحية شاملة لمنظومة الأجور والتقاعد بل جرى توظيفها سياسياً وشعبوياً، فانتهت إلى فرض وقائع مالية وإدارية خطيرة.
تعويضات نهاية خدمة بمئات آلاف الدولارات معاشات شهرية تجاوزت في حالات عديدة أربعة آلاف دولار، بدلات سفر، اسكان، مخصصات إضافية وإعفاءات متراكمة ثم التظاهر لاحقاً للمطالبة بالمساواة بمن استفادوا أصلاً أكثر من غيرهم. كل ذلك أُقرّ في دولة تعاني أصلاً من عجز بنيوي واقتصاد ريعي هش ونمو شبه معدوم.
لم يكن الخلل في الاعتراف بحقوق العسكريين أو بتضحياتهم بل في غياب معيار العدالة النسبية وفي فصل المطالب عن القدرة الفعلية للاقتصاد والدولة على تحمّلها.
وفي السياق نفسه جاءت سلسلة الرتب والرواتب للموظفين العموميين لا كجزء من مشروع إصلاحي متكامل لإعادة بناء الإدارة العامة بل كحل سياسي مؤقت لامتصاص الغضب الاجتماعي. أُقرّت السلسلة من دون إعادة هيكلة حقيقية للإدارة وتحديثها ومَعيَّرتها، ومن دون ربط الأجور بالإنتاجية، ومن دون تأمين مصادر تمويل مستدامة فتحولت إلى عامل إضافي في تسريع الانهيار النقدي والمالي.
وهنا تحديداً تكشّف جوهر الأزمة، دولة تُنفق بلا تخطيط وتُرضي بلا عدالة وتُراكم الالتزامات من دون مساءلة ثم تتفاجأ بالسقوط المدوي على كل المستويات!
إلى جانب هذا المسار برز نموذج أكثر خطورة داخل مصرف لبنان تمثّل في منح قروض إسكانية بمئات آلاف بل بملايين الدولارات لموظفين في المصرف بشروط تفضيلية لا تتوافر لمعظم موظفي القطاع العام. جرى ذلك في ظل غياب الشفافية وغياب أي نقاش وطني حول عدالة هذه السياسات أو حول موقع المصرف المركزي وحدود امتيازاته داخل الدولة الدستورية.
هكذا لم تعد الفجوة قائمة فقط بين المواطنين والدولة بل نشأ نظام طبقي داخل الدولة نفسها، فئات محصّنة مالياً تؤمّن مستقبلها ومستقبل أبنائها مقابل أكثرية تُترك لمواجهة التضخم، وتآكل الأجور وانعدام الأمان الاجتماعي.
كان يُفترض أن يشكّل الانهيار محطة مراجعة وطنية شاملة لكن ما حصل كان العكس تماماً. فبدل الاعتراف بالأخطاء نشهد اليوم محاولات مكشوفة للعودة إلى منطق ما قبل 2019 وكأن تلك المرحلة كانت نموذجاً يُحتذى لا سبباً للكارثة!
تحركات جديدة تُرفع تحت عناوين العسكريين المتقاعدين والأساتذة والموظفين، تقابلها قرارات حكومية بزيادات تُقدَّم على أنها «مضاعفة رواتب» من دون إدخالها في أصل الراتب ومن دون أي رؤية شاملة لمنظومة الأجور والمعاشات. لا تناسب بين القطاعات ولا عدالة بين الفئات ولا اعتبار لقدرة الدولة أو لمستقبل الأجيال.
مرة جديدة الأعلى صوتاً يربح لا الأكثر عدالة، والأقوى تنظيماً يفرض شروطه، فيما تُرحَّل الكلفة إلى من لا صوت لهم من الشباب العاطلين عن العمل والمناطق المهمّشة.
وفي مقابل هذا التراكم غير العادل للامتيازات تقف مناطق لبنانية بأكملها خارج الحساب من طرابلس، عكار، البقاع، الهرمل وأحياء واسعة من مناطق أخرى... لم تستفد هذه المناطق من الامتيازات ولا من القروض ولا من التعويضات. تعيش اليوم نتائج انهيار لم تكن شريكة في صناعته، أبنية متصدّعة، بنية اجتماعية منهكة، بطالة مزمنة وهجرة جماعية عبر قوارب الموت. يدفع هؤلاء ثمن دولة لم تُنصفهم يوماً ويدفعون اليوم ثمن امتيازات لم يحصلوا عليها أصلاً.
ما يجري ليس خللاً عابراً بل نتيجة منطق حكم الميليشيات على حساب اتفاق الطائف والذي تعمّق بعد عام 1991، حيث تحوّلت الدولة إلى غنيمة والإدارات إلى مزارع والصناديق إلى أدوات خارج أي منطق مؤسساتي. الكهرباء، السدود، الاتصالات، الأملاك البحرية والنهرية كلها قطاعات استُنزفت تحت عنوان المحاصصة، فيما راكم سياسيون وزعماء أحزاب وعائلاتهم ثروات فاحشة في ظل حكم قوة الأمر الواقع وغياب المساءلة.
هكذا نشأت سلطة محاصصة لا تعيش إلّا على تعطيل الدولة وتفريغ الدستور من مضمونه وتحويل الطائف من إطار لبناء الدولة إلى ذريعة لتقاسمها وابتلاعها.
اليوم نشهد اقتحام المؤسسات وتعطيل الحكومة ومزايدات شعبوية وسباقاً نيابياً أمام الكاميرات للدفاع عن مطالب فئوية من دون أي اعتبار لمفهوم الصالح العام! هذا المنطق لا يحمي الحقوق بل يعمّق الانهيار ويحوّل الدولة إلى ساحة صراع دائم.
لا خلاص للبنان بمنطق قوى الأمر الواقع ولا بمنطق الصوت الأعلى ولا بإعادة إنتاج نظام الامتيازات ودولته العميقة. الحل الوحيد هو فرض برنامج وطني واضح لتطبيق الدستور واتفاق الطائف دون استنسابية ومن دون الخضوع للقوى المسيطرة، بوصفهما الإطار الوحيد لبناء دولة القانون والمؤسسات.
هذا البرنامج يعني إنهاء الامتيازات غير المبررة خصوصاً السياسية والتقاعدية، إخضاع كل الصناديق والمؤسسات للرقابة والمساءلة، إعادة الاعتبار للإدارة العامة كجهاز مهني لا كغنيمة، حماية الحقوق الاجتماعية ضمن منظومة عادلة ومستدامة ووضع حقوق الأجيال القادمة في صلب القرار العام.
الدولة الراعية لا تعني دولة مفلسة تُرضي الجميع مؤقتاً بل دولة عادلة تضع سقوفاً وتقول «لا» عندما يجب أن تقول «لا» وتفتح في المقابل مسارات إنتاج وتنمية حقيقية.
إنقاذ لبنان يمرُّ حتماً عبر الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج. على الحكومة أن تسترد الأملاك العامة وتستعيد الأموال الناتجة عن الإثراء غير المشروع، وتُلزم المتمولين وعلى رأسهم السياسيون باستثمار أموالهم في مشاريع إنتاجية شفافة داخل البلاد لا في المضاربات والصفقات المشبوهة وشراء الذمم.
الصناعة، الزراعة، الاقتصاد المعرفي وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات هي المدخل الوحيد لإعادة الدولة إلى الحياة.
ما بدأه البعض قبل 17 تشرين من جشع بلا سقف وصوت بلا مسؤولية يجب أن يتوقف. لأن الدولة التي تُدار بمنطق «من يصرخ أكثر يأخذ أكثر» ليست دولة بل وصفة لانهيار دائم وربما... مشروع إندثار.
وحدها العودة الحازمة إلى منطق الدولة الدستورية، الراعية، العادلة والمنصفة قادرة على إنقاذ لبنان وحماية حقوق الأجيال التي لم تُستشر لكنها تدفع اليوم الثمن الأكبر. فهؤلاء هم المستقبل وهم الأمل وهم الهدف.