فاروق غانم خَدّاج*
ما أكثر الأصوات النشاز التي تحاول اليوم تشويه العلاقة التاريخية بين مكوّنات الشعب اللبناني، لا سيّما بين الموحدين الدروز والسنّة، في الجبل وبيروت، وفي الشوف وإقليم الخروب، وراشيا والبقاع الغربي. لكن من يقرأ تاريخ هذا البلد، ويدرك حساسيته وتركيبته وروحه، يعرف أن لبنان لا يمكن أن يستمر إلّا بتكامل مكوّناته الإسلامية والمسيحية، من سنّة وشيعة وموحدين دروز ومسيحيين بمختلف طوائفهم، وسائر عناصر المجتمع.
فالعيش المشترك ليس شعاراً، بل هو حقيقة محفورة في التراب والتجربة. وعلاقة الموحدين الدروز بهذه الأمة لم تكن يوماً علاقة عابرة، بل هي علاقة عميقة ضاربة في الجذور والوجدان. منذ فجر الإسلام، كان الموحدون إلى جانب هذه الأمة، وقد عرفوا بسِمتهم في الزهد والصفاء الروحي. وما تكريمهم لسلمان الفارسي إلّا دليل على تقديرهم للعارفين والمتجردين، إذ يرون فيه صورة العارف المؤمن الذي بحث عن الحقيقة حتى اهتدى إليها. ويجلّونه لما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم حين قال: «سلمان منا أهل البيت»، وهو تكريم عظيم لرجل اجتمع فيه الإيمان والبحث عن الحقيقة، فبوّأه الرسول صدارة المكان والمقام.
وعبر التاريخ، لم يكن الموحدون يوماً في عزلة، بل انفتحوا على أرحب آفاق الفكر والدين، فكانوا من رواد الأزهر الشريف، حيث قصدته أجيال من أبناء التوحيد لينهلوا من علوم الإسلام وأشعته، ويعودوا سفراء تنوير إلى بلادهم، حاملين مشاعل الفهم الديني المستنير. لم يكن الأزهر مجرد محطة علمية، بل كان جسراً ثقافياً ودينياً بين الدروز وباقي أبناء الأمة، حيث تخرّج منه مشايخ وأئمة ومفكرون، ساهموا في صياغة خطاب ديني عقلاني، منفتح على الفقه المقارن، ومتصالح مع مقاصد الشريعة العليا.
ومن الأزهر إلى الميدان، لم يتأخّر أبناء التوحيد في حماية الشواطئ اللبنانية والوقوف في وجه الغزاة، متكاتفين مع إخوانهم المسلمين والمسيحيين دفاعاً عن كرامة الوطن. ولم تكن هذه الروح إلّا امتداداً لتاريخ من النضال والتكامل، تجسّد في شخصيات حملت همّ الأمة في زمنٍ كان كثيرون فيه ينكفئون.
لقد وقف الأمير شكيب أرسلان في وجه حملات التمزيق الفكري والسياسي، مدافعاً عن قضايا العرب والمسلمين، حاملاً قلمه وسيف فكره في وجه الاستعمار، متحدّثاً باسم الشرق في منابر الغرب. لم يكن أرسلان مجرد مفكر، بل كان ضمير العروبة، ربط بين الشام ومصر والحجاز، وكتب عن فلسطين والجزائر واليمن، ونبّه مبكراً إلى خطورة المشروع الصهيوني. كان بين يديه فكر، وفي قلبه عقيدة، وفي حبره توق لتوحيد هذه الأمة.
وفي سياق العروبة الجامعة، عرفت العلاقة بين الموحدين الدروز والزعيم القومي جمال عبد الناصر مرحلة ذهبية من الانسجام والرؤية المشتركة، وكان المعلم كمال جنبلاط في لبنان، والبطل القومي سلطان باشا الأطرش في سوريا، من أقرب الحلفاء للنهج الناصري. لم تكن تلك العلاقة مجرد تحالف سياسي، بل لقاء قيمي وأخلاقي حول قضايا التحرر والكرامة. وقف جنبلاط إلى جانب عبد الناصر في وجه مشاريع الهيمنة والانقسام، بينما ظل سلطان الأطرش رمزاً وطنياً لا يُمسّ، وهو الذي قاد الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، وظل حتى وفاته على عهد العروبة والتحرر، ولم يكن يوماً في مواجهة أي لبناني أو سوري، بل في مواجهة الاحتلال ومحاولات مصادرة القرار الوطني.
وإذا عدنا إلى لبنان، نجد أن هذه العلاقة الوجدانية والوطنية تجلّت بأبهى صورها يوم اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهبّ أبناء التوحيد إلى الساحات كأن الفاجعة وقعت في بيوتهم. التحموا مع إخوانهم السنّة في تحقيق الاستقلال الثاني، وخرجت القرى والبلدات تُشيّع رجلاً رأوا فيه مشروع نهوض وكرامة. أتذكّر أننا كنّا أطفالاً نحمل صور رفيق الحريري ونبكيه بصدق، دون أن نُسائل أنفسنا من أي طائفة هو. هكذا نشأنا، على حبّ الرجال الكبار، لا على التقسيم.
وقد استُشهد والدي في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية إبان الاجتياح السوري بقيادة جيش حافظ الأسد، في وقت كانت بيروت تُحاصر وتُجتاح، لا لذنب اقترفته، بل لأنها رفضت الهيمنة والاستسلام. لم يكن والدي يوماً في مواجهة أي لبناني أو سوري، بل وقف في وجه الاحتلال وكل من أراد مصادرة القرار الوطني اللبناني. وقد ورثتُ عنه الاسم، إذ سمّاني «الفاروق» تكنيةً بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ذاك الذي كان يفرّق بين الحق والباطل، ويحمل ميزان العدالة في يده وقلبه.
ثمّ كبرتُ على روايات جدتي عن بيوت بيروت الطيبة، وعلى أدب المقاومة الوطنية، وتعلّمت في مراحلي الأولى على صوت الثورة الفلسطينية، فصرت لاحقاً أستاذاً ومربّياً أحاضر عن محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد، دون أن أعرف بالتفصيل طائفتهم أو انتمائهم، بل كان وجداني يقرأهم شهداء وقامات من أجل قضيّة واحدة هي قضية الأمة.
إنه من الجائر أن تُهزَم كل هذه الشراكة أمام نزعات طائفية ضيّقة أو مشاريع فتنة. ليس لبنان هو الذي يتداعى إذا تكلّم أحد برعونة أو جهل، لأن لبنان هو الناس، هو هؤلاء الذين عاشوا معاً وتقاسموا الأعياد والخبز والعرق والدم.
إن علاقتنا، نحن الدروز، بإخواننا السنّة، وكذلك بالمسيحيين والشيعة وسائر اللبنانيين، هي علاقة وجدانية وإنسانية، لا تمحوها الاختلافات في الفهم أو المذهب. وإن اختلفنا في قراءة التاريخ أو فهم بعض القضايا، فإننا لن ننسى يوماً أن ما يجمعنا أكبر مما يفرّقنا، وأن وحدة المصير والشهادة والكرامة لا يفرّقها تصريح ولا فتنة.
لبنان لن يُبنى إلّا على هذا التراحم، وهذه الشهادة المشتركة على مرّ الزمن، ولن يحميه إلّا من يعرف أن البيت لا يصمد إن سقط أحد أعمدته.
* أستاذ وباحث في اللغة والأدب والفكر الإنساني