بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 كانون الثاني 2026 12:05ص لبنان وفلسفة الشرعية الخارجية: بين الاعتراف الدولي والعجز السيادي

حجم الخط
بقلم البروفسور ميشال فريد الخوري

تُعدّ الشرعية الخارجية أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة، إذ لا يمكن لأي كيان سياسي أن يكتمل كدولة ذات سيادة ما لم يكن قادراً على تمثيل نفسه، والدفاع عن مصالحه، والوفاء بالتزاماته تجاه المجتمع الدولي. في لبنان، تأخذ هذه المسألة بُعداً معقّداً نظراً للتداخل الكبير بين العوامل الداخلية والخارجية، إذ نرى الفرق الواضح بين الاعتراف الدولي خارجياً من جهة، والقدرة على ممارسة السيادة داخلياً من جهة أخرى. فلبنان، من الناحية الشكلية، دولة قائمة ومعترف بها دولياً، وهو ليس فقط عضواً فاعلاً في الأمم المتحدة بل أحد مؤسسيها، ولديه شبكة تاريخية واسعة من العلاقات الدبلوماسية. لكن بالرغم من أهمية هذا الاعتراف وهذه العلاقات، لا يوجد له حضور فعّال إقليمياً ودولياً. من هنا نطرح الأسئلة التالية: هل يكفي الاعتراف الدولي وحده؟ وكيف يُمكن للبنان أن يرمّم ويفعّل حضوره على الساحة الدولية؟
الشرعية الخارجية تنطلق من الداخل: تُبيّن التجربة اللبنانية أن أزمة الشرعية الخارجية تنبع من الداخل. روبرت بوتنام في مقالته الشهيرة بعنوان «الدبلوماسية السياسية والداخلية – منطق اللعبتين» في مجلة «International Organization» 1988، تحدّث فيها عن اللعبة الدولية واللعبة الداخلية، حيث قال أنه لا تستطيع أي دولة أن تنجح دبلوماسيا في الخارج إذا لم يكن لديها قبول وشرعية في الداخل، وكل اتفاق دولي يجب أن يكون مقبول داخلياً كي ينجح خارجياً. لكن يورغن هابرماس في كتابه «بين الوقائع والمعايير» قال أن الشرعية لا تُستمد فقط من النصوص الدستورية أو الاعتراف الدولي، بل من قدرة النظام السياسي على إنتاج توافق داخلي عبر مؤسسات فاعلة. أمّا ستيفن كراسنرفي كتابه «السيادة: النفاق المنظَّم» يرى أن كثير من الدول تملك اعترافاً قانونياً لكن سيادةً داخليةً ضعيفة، وهذا يثبت أن الشرعية الخارجية بلا داخل متماسك تبقى شكلية. فمكانة الدول في العالم لا تُبنى فقط على خطاباتها الدبلوماسية أو شكل حضورها الدولي، بل في قدرتها على توحيد قرارها الوطني، وضبط عمل مؤسساتها، وإلتزامها بالقرارات الدولية. وفي غياب هذه العناصر، تظل الشرعية الخارجية هشة مهما بلغ حجم الإعتراف الدولي لأن العالم يتعامل مع الدول بمدى فعاليتها وقدرتها على الوفاء بإلتزاماتها.
بين الاعتراف الدولي والقدرة الداخلية: في الفكر السياسي، الشرعية الخارجية ليست فقط إعتراف دبلوماسي، بل تتعلق بقدرة الدولة على ممارسة سيادتها وإستقلاليتها، التحكم بقرارها، وتنفيذ ما تلتزم به دولياً. من هذا المنظور، يرى هيغل في كتابه «مبادئ فلسفة الحق» أن الاعتراف المتبادل هو الأساس الفلسفي للشرعية الخارجية، ويرى أيضاً أن الشرعية الداخلية تأتي أولاً، ومنها تتبع الشرعية الخارجية. أما ماكس فيبر في كتابه «الاقتصاد والمجتمع» يرى أن فعالية شرعية الحكم خارجياً تُختبر بقدرة الدولة على احتكار القوة داخلياً، فالدولة التي تفشل في توحيد خطابها وموقفها الخارجي، تبقى شرعيتها منقوصة مهما كثرت اعترافات الآخرين بها. في هذا السياق نرى أن لبنان هو مثال واضح على ذلك، فهو يحظى باعتراف دولي ممتاز لكنه في الوقت ذاته يعاني من عدم القدرة على تنفيذ قراراته السيادية، فالدولة لا تحتكر قرار السلم والحرب، ولا تمتلك رؤية استراتيجية موحّدة لعلاقاتها الإقليمية والدولية، بل تعمل بموجب إملاءات مفروضة عليها من الخارج، أو من قوى داخلية تتجاوز سلطتها، وهذا يجعل شرعيتها الخارجية متوافرة شكلياً، لكنها محدودة فعلياً.
مقارنة لبنان مع العراق وليبيا والبوسنة-الهرسك: تكشف المقارنات الدولية أن دولاً عديدة، رغم إعتراف المجتمع الدولي، واجهت تحديات كبيرة في ترسيخ سيادتها. سالم الكتبي، في صحيفة «مكة المكرّمة» سبتمبر 2022، قدّم تشبيهاً يضع لبنان والعراق وليبيا على مسار متقارب من حيث الأعراض والأسباب، فالعراق بعد عام 2003 حافظ على اعتراف دولي لكنه يواجه تعددية في القرار وضعف الدولة المركزية، وكذلك ليبيا منذ العام 2011، رغم الحكومات المعترف بها دولياً، بقيت رهينة الانقسام الداخلي. أما ياسمين يعقوبي في مجلة «TRENDS» أغسطس 2022، قارنت لبنان بالبوسنة-الهرسك كحالتين مرتكزتين على التوافق والمحاصصة، فبالرغم من قيامها رسمياً كدولة منذ اتفاق دايتون عام 1995، إلّا أن البوسنة-الهرسك ما زالت تواجه مشاكل داخلية تُصعّب مهمّة اتخاذ أي قرار خارجي. لبنان لا يمر بنفس الظروف التي تمر فيها هذه الدول، لكن الصعوبات التي يواجهها من ضعف الدولة، تعدد المرجعيات السياسية والطائفية، وعدم إمكانية إحتكار القوة وتوحيد القرار، تضعه في موقعٍ شبيه لها. 
فرض السيادة المطلقة أو السلام والتعاون: في مفهوم الفلسفة السياسية قال توماس هوبز في كتابه «الليفايثان» أن الدولة تستمدّ شرعيتها الخارجية من قدرتها على إتّخاذ القرار المطلق بالقوة، وفرض الأمن ومنع الفوضى؛ بالنسبة لهذا المعيار، إن الدولة اللبنانية تبدو عاجزة عن تحقيق هذه الشروط كاملة. في المقابل، يرى إيمانويل كانط في كتابه «نحو السلام الدائم» أنّ الشرعية تنبع من إحترام القانون الدولي، والالتزام بمبادئ السلام والتعاون بين الدول؛ في هذا السياق، يملك لبنان نقاط قوة تُظهر تمسّكه الرسمي بالشرعية الدولية، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في الفرق بين المبادئ والتطبيق؛ فالدولة تعلن التزامها بالقانون الدولي وتدعو إلى الحياد الإيجابي والنأي بالنفس، لكنها عاجزة عن تطبيقه داخلياً ولا تملك مشروعاً وطنياً واضحاً لأن سياساتها الخارجية تُدار وفق منطق المحاور لا منطق المصلحة الوطنية، وهذا يُبقي شرعيتها الخارجية منقوصة وفعّاليتها محدودة.
ترميم منطق الدولة: في هذا الإطار، جون لوك في الرسالة الثانية من كتاب «مقالتان في الحكومة المدنية» يرى أن الترميم يكون بإعادة الثقة عبر تنفيذ القانون، وحماية الحقوق والملكية، ومحاسبة المرتكبين. كذلك فرانسيس فوكوياما في كتابه «النظام السياسي والانحطاط السياسي» تحدّث عن الترميم بطريقة موازية لجون لوك ويكون عن طريق تقوية قدرة الدولة وبسط سيادة القانون والمحاسبة. من هذا المنطلق، يسعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وكذلك رئيس الحكومة القاضي نواف سلام إلى تمسّكهما بالشرعية الدولية وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، إذ يضعا إمكاناتهما لترميم منطق الدولة داخلياً على جميع المستويات لإستعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان من خلال إحترام القرارات الدولية وتبنّي خطاب منطقي قابل للتنفيذ، ويحاولا أيضاً تقديم لبنان كدولة تلتزم بتعهداتها وتسعى لترميم موقعها على الساحة الدولية. إلا أن مصير هذا التوجّه يبقى رهناً بمدى قدرة الدولة على توحيد القرار وتأمين حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي داخلياً، إذ لا يمكن لأي سياسة خارجية أن تنجح في ظل غياب قرار داخلي موحّد.
في الخاتمة، إنّ شرعية لبنان الخارجية موجودة، لكنها بلا شك ناقصة، فهي قائمة قانونياً، لكنها تفتقر إلى الدعم الداخلي. فبين سعي الحكومة إلى استعادة دور فاعل على الساحة الدولية، والواقع الذي يعانيه الداخل، تقف السلطة في لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن تبني دولة قادرة على تحويل الإعتراف والدعم الخارجي إلى موقع فاعل في النظام الدولي، أو أن تكتفي بالإعتراف الشكلي من دون أي قدرة على التأثير. فالشرعية تُمنح من الخارج بقدر ما تُبنى من الداخل، وذلك يكون عبر تقوية المؤسسات، توحيد القرار السياسي، تحقيق الاستقرار، والإلتزام بالقرارات الدولية. وفي المحصّلة، إما أن يستمر لبنان كدولة هشة، منقسمة ومشلولة مثل العراق وليبيا والبوسنة-الهرسك، وإما أن تتوحّد القوى الداخلية حول قرار جدّي لترميم وبناء دولة فعلية ذات سيادة متماسكة وخطاب خارجي موحّد، ليس فقط مدعوماً من جميع الأطراف، بل يعكس أيضاً مصالح لبنان فقط لا مصالح أو صراعات الآخرين. فالشرعية الحقيقية ليست بالمؤتمرات أو البيانات، بل تُصنع حين تختار السلطة والقوى الفاعلة توحيد الداخل، وهذا بالطبع سينعكس على قدرة الدولة التفاوضية خارجياً لأن المواقف التي ستتخذها ستُقنع المجتمع الدولي بأنها ستُنفّّذ ولن تكون مجرّد تصاريح. فعندما تتوحّد القوى الداخلية حول مؤسسات الدولة وقراراتها، تقلّ قدرة القوى الخارجية في التأثير عليها. حتى ذلك الحين، سيبقى لبنان دولة معترفاً بها في جميع المحافل الدولية، لكنه سيراوح على حدود الشبه دولة، يفتقر إلى الوزن ويعيش بشرعية منقوصة لا قدرة له في التأثير على الساحتين الإقليمية والدولية.