بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 كانون الأول 2025 12:31ص لماذا تُطالب الطائفة السنيّة بالعدالة الانتقالية لاستعادة كيانيتها ودورها الوطني الريادي؟

حجم الخط
ترافقَت الاحتفالات التي شهدتها المناطق اللبنانية ذات الغالبية السنيّة في الذكرى السنوية الأولى لانتصار الثورة السورية مع حملة انتقادات وجدالات لم تهدأ. البعض اعتبر رفع أعلام الثورة السورية دليلاً على اهتزاز الهوية الوطنية أو تشكيكاً في الانتماء اللبناني. غير أنّ هذا التفسير السطحي يتجاهل حقيقة أعمق بكثير، فالسُنّة في لبنان لا يرفعون علماً للخروج من الدولة بل يرفعون صرخة طويلة لتذكير الجميع بأنّ العدالة الغائبة عنهم منذ قرن كامل ليست تفصيلاً بل شرطاً لبقاء لبنان نفسه دولةً قابلة للحياة.
إنّ المطلب السنّي اليوم ليس فئوياً ولا طائفياً، بل هو مطلب عدالة انتقالية هدفه استعادة التوازن الوطني وإنهاء نظام الامتيازات التاريخية الذي مزّق المجتمع وكرّس طبقات من «مواطنين» و«رعايا».
بدأت الحكاية منذ تأسيس دولة لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسي، رُسّخ يومها نظام امتيازات طائفي اجتماعي عقاري أنتج خللاً عميقاً بين الطوائف والمناطق. كانت المناطق ذات الغالبية السنيّة من طرابلس إلى البقاع مروراً بعكار جبل لبنان وبيروت الأكثر تضرراً من تلك السياسات حيث فُصلت بلدات عن سهولها وشواطئها التاريخية وحُرمت من مواردها الاقتصادية، مُنحت مساحات شاسعة لجهات دينية وطائفية، بينما عانت المناطق السنيّة من تضييق عمراني واقتصادي وحرمان من الأملاك العامة. بعد زلزال 1956 أعيد إعمار بعض البلدات المسيحية بطريقة حديثة ومنظمة، بينما تُركت البلدات السنيّة لإعادة إعمار عشوائية، مما أسّس لفوارق عمرانية وثقافية واقتصادية لا تزال آثارها قائمة. هذا النظام لم يكن مجرد «حقبة تاريخية» بل الأساس الذي تأسست فوقه شبكة لاحقة من التفاوت وتعاظمت لاحقاً مع دخول نظام الأسد إلى لبنان.
دفعت طرابلس وعكار والبقاع السنّي بمعظمه كلفة الاحتلال السوري وحلف الأقليات التي رعاه، من معركة طرابلس 1983 وما رافقها من حصار وقصف وتهجير. مجزرة باب التبانة 1986 وما تلاها من تصفيات واعتقالات. الجولات المتكررة بين 2005 و2015 والتفجيرات التي استهدفت المساجد والأسواق. تدمير المقومات الاقتصادية لطرابلس بتعطيل المصفاة والمرفأ والمطار والمنطقة الصناعية والمعرض... وأسواقها التجارية والسياحيّة، تحويل المدينة إلى ساحة صراع دائم لعزلها عن محيطها، تدمير مكانتها وقطع طريق تطورها.
استُكمل المشهد في بيروت عبر «انقلاب 1984» الذي أطاح بالتوازن السنّي البيروتي عبر إسقاط الميليشيات التي تزعمت لاحقاً سلطة الإتفاق الثلاثي المدعومة من نظام الأسد للـ «المرابطون» وعبر مصادرة مؤسساتها الإعلاميّة والاقتصاديّة والجمعيات الإجتماعيّة وغيرها ولتحلّ هذه الميليشيات مكان الدولة كقوى أمر واقع مستمرة تتحكم بالأزقة والشوارع واقتصادها وأمنها. ترافق مع اغتيال القيادات السنيّة الفكرية والعلمية والسياسية من الشيخ أحمد عساف، العلّامة صبحي الصالح، المفتي حسن خالد، الرئيس رشيد كرامي وغيرهم الكثير. هذا الاستنزاف دفع عشرات الآلاف من أبناء بيروت للهجرة وترك مدينتهم نهباً للميليشيات والنفوذ الخارجي.
استُكملت الحلقة في بيروت عبر التقليص السابق لصلاحيات بلدية بيروت غير المتناسبة تنظيمياً مع حجم وتوسّع المدينة والتي استولى المحافظ المعيّن من خارجها ومن طائفة أخرى على الصلاحيات التنفيذيّة لرئيسها، هُمّش دور الأوقاف والجمعيات التاريخية التي كانت تشكّل رافعة للطبقة الوسطى السنيّة. والنتيجة طائفة مُشتتة... ومجتمع ينهار.
لم تستفد المناطق السنيّة من أكثر من 3 مليارات دولار صُرفت عبر صندوق المهجرين، مليارات أخرى عبر صندوق الجنوب ومؤسسات الدولة. بينما تطورت البنى التحتية لمناطق كثيرة، بقيت طرابلس وعكار والبقاع في أسفل سلّم التنمية، تحوّلت إلى خزانات للفقر والبطالة والهجرة وتجهيل ما بعد تدمير الحروب المتتابعة والتفقير الموجه وإلى ساحات سهلة للاستثمار السياسي في المواسم الانتخابية.
وفي المقابل سيطرت الميليشيات الطائفية على المرفأ والمطار والمعابر والاقتصاد الموازي، وأُغلقت أمام السُّنّة أبواب المشاركة في إدارة الدولة، بينما بقيت المؤسسات الدستورية تحت سيطرة «دولة الميليشيات العميقة» التي بُنيت خلال حقبة الاحتلال السوري الأسدي.
تراجَع الدور التاريخي لجمعية المقاصد ولدار الأوقاف وللمؤسسات الأهلية التربوية أمام تقدّم جمعيات مموّلة من الخارج أو مجموعات تحمل خطاباً يجرّ الطائفة إلى ثقافة التبعيّة وتسطيح العقول. وساهمت السياسات المتراكمة في تفكيك النسيج الاجتماعي السنّي مقابل صعود نفوذ طوائف أخرى وزعامات مرتبطة بالخارج بنت مؤسسات تعليمية وصحية واقتصادية قوية مما عمّق الهوة بين المكونات اللبنانية.
نصل الى الملفات القضائية والمظلومية المستمرة، حيث لا تزال قضية الموقوفين الإسلاميين بلا محاكمات عادلة منذ أكثر من عقد في حين يشير العديد من التقارير إلى الملفات المفبركة أو المحاكمات غير المكتملة. وفي أحداث عبرا كشفت التحقيقات المستقلة عن اختلالات خطيرة أدّت إلى استباحة مدينة صيدا وشبابها وتبعات كثيرة لا تزال حاضرة إلى اليوم.
شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري نقطة الانكسار الكبرى فهو الذي تبنّى خطاب «أنا زعيم كل اللبنانيين» مما قاد إلى مساومات سياسية حملت الطائفة السنيّة أثمانها لاحقاً نتيجة تمسّكها بعنوان «الدولة» المصادرة من سلطة أمر واقع لا تعترف بالمعايير والقيم. بعد اغتياله واعتزال أبنه لأسباب معروفة تحوّلت الطائفة إلى كيان مشرذم، مبعثر، مدن وبلدات مهملة تستخدم أطرافها كمكبات للنفايات وبؤر التلوث المميت! يتحكم بمساره وتعطيل التنميّة فيه أقطاب من طوائف أخرى أو أدوات مالية وإدارية مرتبطة بالمنظومة الفاسدة. 
أما لماذا العدالة الانتقالية؟ لأن ما تعرّضت له الطائفة السنيّة ليس سلسلة حوادث متفرقة بل نموذجاً مكتملاً ومزمناً للانتهاكات البنيوية التي تحرم أي مكوّن لبناني من دوره الوطني. فالعدالة الانتقالية بالنسبة للسُنّة ليست انتقاماً بل إعادة بناء الثقة بالدولة، إصلاح ان لم نقل اعادة بناء القضاء والمؤسسات الأمنية والإدارية، كشف الحقيقة والمحاسبة عن الجرائم والاغتيالات والانتهاكات. إصلاح الخلل الاقتصادي والاجتماعي الذي أُنتج عمداً. استعادة الشراكة الوطنية في مؤسسات الدولة وقبل كل ذلك القضاء على فيروس سلطة الميليشيات المتحكمة... لمنع الارتماء في أحضان الخارج كنتيجة لغياب العدالة في الداخل.
إنّ إصلاح الظلم التاريخي الواقع على السُّنّة هو إصلاح للدولة نفسها. فالطائفة السنيّة بحجمها، انتشارها، موقعها في المدن، تاريخها الوطني ثقافتها القيَمِيّة الجامعة وتقاليدها الإصلاحية كانت دائماً الحجر الأساس في قيام الدولة اللبنانية. وحين تضعف هذه الطائفة يضعف معها لبنان ويتحوّل إلى ساحة لصراعات الإقليم كما نشهده اليوم.
إنّ ما يطالب به السُنَّة اليوم ليس امتيازاً جديداً بل إنهاء الإمتيازات القديمة ومحاصصة فيروس زعماء الحرب التي أنتجت الظلم والفقر والعنف. إنّهم يطالبون بحقّ بـــ «عدالة انتقالية حقيقية» تعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة وتضع حدّاً لمنطق الميليشيات وساديّة الإمتيازات وتستعيد التوازن الوطني وتعيد للبنان رسالته كما أرادها الإمام الأوزاعي دولة العدالة والمساواة والمؤسسات.
ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه كخاتمة طبيعية، ما هي الخطوات العملية للعدالة الانتقالية التي يطالب بها سُنّة لبنان؟ هذا ما سنفصّله في المقالة القادمة.