بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 كانون الثاني 2026 12:15ص ما المقصود بمهمة استعادة دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية لمكانتها ودورها؟

حجم الخط
وفق نظرية الفعل الاجتماعي تُعدّ القِيَم الركيزة الرابعة والأساسية في بناء نظام اجتماعي سليم. وتتكامل هذه الركيزة مع أبعاد أخرى مثل المواءمة مع البيئة، تحقيق الأهداف والاندماج، والبنية التنظيمية والموارد. ومن الطبيعي ضمن هذا المنطق أن يكون لدار الفتوى في لبنان دورٌ أساسي ومركزي في التوجيه والتقويم على المستويات العامة كافة، بما في ذلك الشأن السياسي حين يتصل بالسلم الأهلي ومعايير العمل العام.
ما يجري اليوم على الساحة اللبنانية تحت عناوين «أبو عمر» والشيخ خلدون عريمط وما يرافقه من تنصّلٍ من مسؤولياتٍ وطعنٍ سابق بإعادة انتخاب المفتي واتهاماتٍ بالتبعية السياسية، التهرّب من الواجبات وصولاً إلى السجال حول وضعه الصحي... ليس جدلاً عابراً ولا زلّة إعلامية. إنه فضيحة وطنية مكتملة الأركان تكشف إلى أي دركٍ انحدرت المرجعيات وكيف تحوّلت المؤسسات الدينية كما المدنية إلى ساحات ابتذال عام بلا ضوابط ولا كرامة. إنها لحظة سقوط لا للأشخاص فحسب بل لمنطق المؤسسة والقيم التي يفترض أن تضبط عملها وتوجّه حضورها.
لم يعد خافياً أن دار الفتوى التي يُفترض أن تكون صمّام أمان روحياً واجتماعياً أُخرجت قسراً من دورها التاريخي وزُجّ بها في بازار التسريبات والاتهامات والاصطفافات السياسية الرخيصة. وما نشهده ليس مساءلة مسؤولة بل استباحة لموقع ديني سيادي تُدار بأدوات التشهير نفسها التي دمّرت السياسة والقضاء والإدارة.
وتُظهر تجربة الرئيس فؤاد شهاب نموذجاً واضحاً لما يُعرف بالقيادة الإصلاحية من خارج النخب التقليدية. فقد أثبتت تلك التجربة أن تولّي شخصية تمتلك القدرة والرؤيّة والأخلاقيّة غير منغمسة في شبكات الزبائنية السياسية، وتمتلك أخلاقية عامة وحكمة مؤسساتية، وتلتزم النصوص المرجعية من دستورٍ وقانون وتُحسن الإفادة من تجارب الآخرين قادرٌ على تفكيك أنماط الحكم المشوّهة وفتح مسارات تغيير نظيفة ومستدامة. وفي أدبيات بناء الدولة يُعدّ هذا النمط من القيادة شرطاً أساسياً لتجاوز الارتهان لمسار تاريخي فاسد يعيد إنتاج نفسه عبر الأشخاص والمؤسسات ذاتها.
دخلت المرجعية الدينية السنيّة في لبنان بعد سلسلة الاغتيالات المتتابعة، من الشيخ أحمد عسّاف مروراً بالعلّامة صبحي الصالح والمفتي حسن خالد وغيرها من الاغتيالات والإلغاءات السياسية لرجالات الدولة مرحلة تفكّك وظيفي حيث تداخل الديني بالسياسي الزبائني مما أفقد هذه المرجعية استقلاليتها الرمزية. ووفق المنظور السوسيولوجي فإن أي مؤسسة تفقد رأسمالها الرمزي تتحوّل إلى أداة ضمن صراعات السلطة بدل أن تكون عنصر توازن وضبط اجتماعي.
من هنا فإن كل من شارك أو تماهى مع النمط المشوّه في التعاطي مع منطق الدولة منذ تلك اللحظة المفصلية لاغتيال المفتي الشهيد وحتى اليوم يبقى موضع شكٍّ مشروع إلى أن يثبت العكس بالممارسة لا بالخطاب. فالديمقراطيات السليمة كما القواعد الأساسية للعمل الديني الرشيد لا تُبنى على حسن النيّات بل على معايير المساءلة والسلوك العام.
إن استعادة قواعد انتخاب المفتي التي كانت سارية في زمن المفتي حسن خالد لا تمثّل حنيناً إلى الماضي بل عودة إلى منطق مؤسساتي صحي يقوم على الاستقلال النسبي عن السلطة السياسية وعلى الشرعية المجتمعية لا الفئوية وعلى الكفاءة الأخلاقية قبل الشعبوية الإعلامية.
كما أن طرح استحداث منصب مفتي مدينة بيروت إلى جانب مفتي الجمهورية ينسجم مع تصوّرات اللامركزية الرمزية التي تتيح إعادة توزيع الأدوار الدينية بما يعزّز القرب من المجتمع ويحدّ من احتكار السلطة الدينية وتبعيتها السياسية. كذلك فإن وضع شرط العمر أقل من 45 سنة ينسجم مع أدبيات تجديد النخب في مسارات الانتقال السياسي، شرط أن يكون المرشحون من المشهود لهم بالعمل الصامت والدؤوب بعيداً عن الاستثمار الإعلامي والمؤمنين بالفعل الأخلاقي لا بالخطاب الشعبوي، وهم الأكثرية المُغيَّبة والمُحاصَرة بفعل واقع المحاصصة السائد.
أما استبعاد السلك القضائي الشرعي فليس طعناً بكفاءته بل قراءة سوسيولوجية لطبيعة تكوينه المهني المرتبط بوظائف ضبطية تقليدية والتعامل مع الوقائع بمنطقها الراهن لا بمهام تجديدية تتطلّب مرونة أعلى في فهم المعطيات المتغيّرة وتحوّلات المجتمع.
نعم تشكّل الساحة السنيّة نقطة انطلاق لإصلاح وطني أوسع، إذ غالباً ما تبدأ عمليات الإصلاح الكبرى من مساحات الانهيار الأكثر وضوحاً. والساحة السنيّة اليوم بما تعانيه من إحباط ووهن تشكّل فرصة تاريخية لإطلاق حملة تطهير مؤسسي وأخلاقي.
غير أن فلول التيارات السياسية السنيّة التقليدية والمتموّلين من أزلامها، ما زالوا يستثمرون في الأزمات التي صنعوها بهدف منع تشكّل حالة سياسية اجتماعية جديدة لأن هذه الحالة تهدّد وجودهم. وراجح أن الفضائح الأخيرة ليست بعيدة عن ألاعيبهم. ويقع هذا السلوك ضمن ما يُعرف باستراتيجيات إعاقة التحوّل السياسي.
إن إخراج الطائفة السنيّة من حالة الإحباط ليس هدفاً فئوياً بل شرطٌ لإعادة إدماجها شريكاً حقيقياً في الداخل اللبناني وكمحفّز لبناء شراكات وطنية متوازنة تعيد للبنان مكانته العربية والإسلامية والدولية. فالدولة الدستورية السليمة لا تقوم من دون مكوّنات اجتماعية واثقة بذاتها، مستقلة في قرارها وغير مرتهنة لخطابات الخوف أو المتاجرة بالفضائح والملفات الفاسدة التي باتت مصدر خجل جماعي.
نعم المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة وفق تجارب التحوّل السياسي المقارنة. غير أن الاستمرار في سياسة الإنكار أو اللعب القذر على غرائز الناس وذاكرتهم المجروحة والمشوّهة لرفع مستوى الوهم والوهن، يعني السماح لمرضٍ خبيث مستمر منذ بداية الثمانينيات بأن يستكمل انتشاره. وعندها لن يكون الخطر على طائفة بعينها فحسب بل على لبنان دولةً ومجتمعاً. فالاستئصال هنا ليس إقصاءً بل إعادة بناء على أسس علمية وأخلاقية ومؤسساتية، وما دون ذلك... سلامٌ على البلد وسلامٌ على ما تبقّى من أمل.