بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 كانون الثاني 2026 12:10ص ما الهدف من إصرار ترامب لضم جزيرة غرينلاند؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

«نحن بحاجة إلى غرينلاند بالتأكيد، إنها محاطة بسفن روسية وصينية».
هذا ما ألمّحه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في حديث لمجلة «ذي اتلانتيك»، إلى إمكانية هجوم عسكري على جزيرة غرينلاند، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الأول عام 2024، كرّر ترامب حاجة الولايات المتحدة إلى هذه الجزيرة لمبررات تتعلق بأمنها القومي.
بالتأكيد أنّ الأميركي يريد أكبر جزيرة في العالم حيث باطن أراضيها كما سواحلها يحتويان على احتياطات من النفط والغاز، وهذا ما يفتّش عنه ترامب في حدائق الولايات المتحدة الخلفية والأمامية. وبالتأكيد يريدها، لما لموقعها الجغرافي من أهمية استراتيجية في المنافسة القائمة مع الصين وروسيا في المنطقة القطبية الشمالية، والتي من المفترض بعد تعبيدها أن تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.
لكنّ ترامب لا يريدها فقط لأجل ثرواتها النفطية هو الذي كتب على منصته «ثروت سوشيال» الثلاثاء 6 كانون الثاني بأنّ فنزويلا ستمدّ بلاده ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط وإن العائدات ستكون تحت إدارته بصفته رئيساً. ولكنّ ما يراه في هذه الجزيرة يرتبط بصراعه العميق مع الاتحاد الأوروبي من جهة تغيير النظام العالمي القائم، فرؤية ترامب تتقاطع مع الدعوات الروسية - الصينية إلى تغيير النظام العالمي ولكنّه يختلف معهما على شكله وطريقة إدارته.
أثارت تصريحات ترامب عن الحاجة إلى غرينلاند ردّاً حادّاً من رئيسة وزراء الدانمارك، ميته فريدريكسن، التي دعت واشنطن الأحد 4 كانون الثاني الجاري لوقف تهديداتها ضد «حليف تاريخي، وسط انتقادات دانماركية وغرينلاند. وقد أوضحت فريدريكسن في بيان أن «من الضروري ان أقول للولايات المتحدة، أنه من غير المقبول السيطرة على الجزيرة».
من الضروري أن تقول فريدريكسن أنها ستحافظ على وصايتها على الجزيرة، بعدما حوّلت الجزيرة في عام 1953 من مستعمرة إلى كيان إداري ضمن مملكة الدانمارك، رغم تمتّعها بالحكم الذاتي منذ عام 1979. ولكن ما لم تصيب به رئيسة الوزراء هي توصيف واشنطن بـ«الحليف التاريخي» لأوروبا، فعذراً سيدتي هذا التوصيف كان من الممكن التوافق عليه قبل اعتلاء ترامب كرسي الرئاسة الثانية في البيت الأبيض، فالرجل وببساطة يجعل من أوروبا عدواً لا يقلّ خطورة عن الصين وروسيا، لهذا يجب توقّع ردّة فعله حول الجزيرة.
لم يؤمن ترامب بأن أوروبا شريكة موثوق بها من قبل إدارته، إذ لطالما صرّح في أكثر من مرة أنّ الاتحاد الأوروبي كيان أنشئ بوجه النفوذ الأميركي. وذهب ترامب أبعد من هذا انطلاقاً من نظرته إلى ضم الجزيرة، إلى إلغاء مفعول وثيقة وستفاليا التي نصّ بيانها من قبل الدول الأوروبية، في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة لم تزل في حالة التكوّن الجنيني.
نصّت وثيقة صلح وستفاليا عام 1648 على أسس الدولة الحديثة، أبرزها مبدأ السيادة، ومبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية. وأرست فكرة الدولة القومية، ورسخت نظام التوازن الدولي، وأسّست التمثيل الدبلوماسي.
اعتمد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض لولاية ثانية على إحداث «خربطات» في النظام العالمي من خلال خرق مبادئ وستفاليا، فانتهك سيادة الدولة وما فعله مع رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو مثالاً، وتدخّل في فكرة الدولة القومية عندما طالب أوكرانيا التنازل عن جزء من أراضيها، ورسّخ مبدأ اللاتوازن الدولي عبر دعمه المطلق لإسرائيل رغم ارتكابها الجرائم في فلسطين والمحيط الجغرافي، وأخيراً اعاد إحياء دبلوماسية الغاب، من خلال تكريس مبدأ القوة لفرض السلام أو الاستسلام.
يحتاج ترامب إلى أوروبا التي كانت بعد الحرب العالمية الثانية، تلك القارة العجوز المنهكة التي وضع لها الأميركي «مشروع مارشال» لإعادة بنائها بدعم أميركي وشركات أميركية وبثقافة الفكر الأميركي. أما أوروبا اليوم التي تخرج من بعض زعمائها مطالبات تدعو إلى إقامة جيش أوروبي، والبعض الذي يدين إسرائيل على أعمالها في غزة أو لا يوافق العملية العسكرية في كاراكاس كما تفعل إسبانيا، فسيضعفها لإجبارها العودة إلى «بيت الطاعة».
عمد السلوك الأميركي إلى خرق ميثاق ما بناه الأوروبي من ناحية مفهوم الدولة والعلاقات الدولية، ورغم أنه فرض شريعة الغاب على حساب العمل في القانون الدولي، إلّا أن الرجل لا يسعى إلى استبدال النظام العالمي، لأنّ لا نظام جاهز في جوارير البيت الأبيض، بل يسعى إلى تعديل بنوده وقوانينه بما تتناسب مع رفع من مكانة أميركا وإضعاف الدور الأوروبي، وإبعاد الروسي والصيني عن تحقيق مسعاهما بتكريس نظام متعدد الأطراف، لهذا فإن إقدام ترامب على ضم غرينلاند بات مسألة وقت، فهل ستنجح استراتيجيته؟ أم سيجد نفسه محاطاً بتحالفات هجينة تجمع في ما بينها مشروع إسقاط ترامب؟