بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 كانون الثاني 2026 12:05ص ما بعد بعد فنزويلا

حجم الخط
حبيب البستاني*

يغمر الفرح حلفاء أميركا من حول العالم لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى بحر العرب، من إسرائيل إلى حلفاء إسرائيل في كل المنطقة العربية لا سيما لبنان، فما حدث في فنزويلا ليس بالحدث البسيط وإن إزاحة مادورو وبالشكل التي تمّت بها، حتى ولو لم تكتمل صورة التغيير، في إحدى أكبر دول أميركا اللاتينية وأكثرها غنى، يعتبر إنجازاً تاريخياً بالنسبة للبعض وأنه سيأخذ في تداعياته أنظمة كثيرة ورؤوساً كبيرة. ولقد شبّه البعض سقوط مادورو بتفكك الاتحاد السوفييتي في العام 1991، يومها توقّع أنصار الولايات المتحدة لا سيما المعارضة الكوبية سقوط نظام فيديل كاسترو تحت الضربات الداخلية والانتفاضة التي قادتها المعارضة، وذلك من دون الحاجة إلى تدخّل عسكري خارجي، وبالتالي لم تقم الولايات المتحدة في حينه بأي عمل عسكري، ولكن المفارقة أن النظام الشيوعي صمد وأن  كاسترو بقي متربعاً على حكم كوبا وذلك إلى حين تسليمه الرئاسة إلى أخيه راوول. وتعتبر فنزويلا الملاذ الاقتصادي والمالي لعدد من الدول لا سيما إيران، وهي تتمتع بعلاقات اقتصادية متينة لا سيما مع الصين التي تعتبر أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، ومن المعلوم أن ما يربط إيران بفنزويلا أكبر من معاهدة صداقة، وهي من بين الدول القليلة التي يمكن للإيرانيين الذهاب إليها بدون الحصول على تأشيرة دخول. كذلك فإن فنزويلا تعتبر ملاذا آمنا للنفط الإيراني حيث أن لإيران ديون على فنزويلا تفوق الملياري دولار من ثمن البنزين الإيراني المستورد إليها. والسؤال الأهم هو كيف سينعكس سقوط مادورو على إيران؟

إيران ثورة أم انتفاضة؟

تعاني إيران منذ نهاية شهر ديسمبر من انتفاضة شعبية كبيرة تمثلت بتحركات شبابية كبيرة في مختلف المدن الإيرانية لا سيما العاصمة طهران، حيث شكّلت منطقة البازار الموقع الأبرز للمظاهرات، وكانت المظاهرات قد اندلعت على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد بفعل العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية الذي يتعرض لها نظام آيات الله، وما يميّز التحركات هذه عن سابقاتها هو أن المظاهرات القديمة كانت تقوم على نفس المطالب ولكنها هذه المرة اتخذت من منطقة البازار منطلقاً لها، فللمرة الأولى يشارك التجار من منطقة البازار الذين يشكّلون الطبقة التقليدية الداعمة للنظام الإسلامي في هذه التحركات. مما يعني أن الأزمة المعيشية قد ضربت الجميع، ولم يُستثنَ منها أحداً حتى الطبقات المتوسطة والميسورة. في المقابل نظمت الحكومة الإيرانية مظاهرات حاشدة بمناسبة تشييع رجال الأمن الذين سقطوا في المواجهات بين المتظاهرين والسلطة، وقد أراد النظام بذلك إرسال رسالة قوية للخارج من أن الشعب الإيراني ما زال يدين بالولاء لنظام آيات الله وانه ليس صحيحاُ أن الشارع هو ملك مجموعة شبابية واحدة، وأنه وكما أن هنالك شارعاً للتغييريين فإن لدى النظام الديني جمهوره. وبات واضحاً أن الجميع يراهن على الوقت وأن اللعبة انتقلت من المطالب المعيشية إلى المطالبة بالتغيير السياسي فهل يصمد النظام أمام لعبة عض الأصابع؟

التدخّل الخارجي وأوراق النظام

ترتفع الأصوات من مختلف معارضي نظام آيات الله في الداخل ولا سيما في الخارج للمطالبة بتحرك عسكري أميركي، كما حصل في فنزويلا علماً وبحسب هؤلاء فإن الضربة العسكرية لإيران مبررة كونها تأتي استجابة لمطالبة شعبية، كذلك فإن إسرائيل تحبذ الضربة العسكرية لإيران وكذلك بعض من في الإدارة الأميركية، لأن ذلك من شأنه ضرب عصفورين بحجر واحد، من جهة ضرب ما تبقّى من الصواريخ الباليستية وما تبقّى من القوة النووية للجمهورية الإسلامية، ومن جهة ثانية تحقيق انقلاب سياسي شامل في المنطقة يؤدي إلى فتح طريق الصين وتركيز الشرق الأوسط الجديد. ولكن هل الضربة الأميركية مسهّلة؟ لقد بدأ الإيرانيون بتقديم أوراق اعتماد إلى الأميركيين في سبيل إنجاح محادثات نووية بحسب الشروط الأميركية في مقابل الإبقاء على نظام آيات الله، هذا ما يملكه النظام الإيراني من أوراق قوة للحؤول دون التدخل الأميركي، أما في موضوع جدوى الضربة الإيرانية فهذا موضوع آخر. قد تستطيع أميركا من إلحاق هزيمة عسكرية بإيران ولكن ذلك يشكل مخاطرة غير محسوبة النتائج قد تنعكس سلباً على المزاج الإيراني، فإذا كان صحيحاً أن الشعب الإيراني يعاني من مشاكل معيشية وكذلك من سلطة نظام لا يؤمّن الحرية التي يصبو إليها الشباب، فإن أي تدخّلا خارجيا سيعتبر ليس فقط تدخّلاً أميركياً إنما تدخّلاً إسرائيلياً، وهذا ما من شأنه توحيد الشارع الإيراني ضد أميركا ومن ورائها إسرائيل. إن الجميع يعيش الآن حالة ترقّب والسؤال الأساسي هو ما ستفعله الولايات المتحدة ما بعد بعد فنزويلا؟ وهل الانتفاضة الشعبية ستتحوّل إلى ثورة؟. لننتظر ونرى.

* كاتب سياسي