من بيروت «جوهرة الشرق» إلى بيروت التي تئنّ تحت الركام... من حلم الدولة التي بشّر بها فؤاد شهاب إلى كابوس الدويلات التي تحكم بالسلاح والمال... ومن فرصة البناء مرتين إلى ضياعها مرتين. هنا على أرض هذا الوطن الصغير كُتبت حكاية قرن من الزمن كان يمكن أن يكون فيه لبنان نموذجاً لدولة المؤسسات فإذا به يتحوّل إلى مختبر للفشل. في المرّة الأولى أسقطته «المارونية السياسية» بأوهام السيطرة وفي المرّة الثانية أطاحت به «الشيعية السياسية» بفائض القوة وبينهما ضاعت الدولة وضاع المواطن وضاع الوطن.
يروي أحد العسكريين المتقاعدين ما دار بينه وبين زميل له في خمسينيات القرن الماضي. قال له «نحن ننتمي إلى مؤسسة واحدة وحقوقنا وواجباتنا مشتركة» فجاءه الردّ الصادم من زميله الماروني «أنت مخطئ فأنا ورائي مؤسسات أكبر من الدولة أما أنت فليس خلفك أحد». هذا الحوار القصير يختصر جوهر المعضلة اللبنانية منذ نشأة الكيان، غلبة الولاءات الطائفية لقوتها المؤسساتيّة والماديّة وارتباطاتها الخارجيّة على الانتماء إلى دولة الزعامات الضعيفة.
في المشهد الأول ورث الموارنة من الانتداب الفرنسي منظومة امتيازات مؤسساتية راسخة شبكة مستشفيات، مدارس إرسالية، أراضٍ شاسعة ومؤسسات مالية واقتصادية متينة. هذه البنية مكّنتهم من السيطرة على مفاصل الدولة الناشئة التي كانت تفتقر إلى مؤسسات وطنية جامعة. لم يكن الخطاب السياسي للأحزاب المارونية يومها عن دولة عادلة تحتكر القوة بل عن «ضمانات» متزايدة للطائفة المُهَدّدَة، فيما بقيت الأطراف محرومة والقوة مركّزة في بيروت وجبل لبنان والمواطن الماروني العادي مشحون بخطاب أسطوري عنوانه «التفوّق الفرنكفوني» وتصوير شريكه في الوطن كـ«متخلّف» و«دخيل».
جاءت ثورة 1958 متزامنة مع المدّ الناصري لتكون أول اختبار حقيقي بعد الاستقلال لانتزاع الحقوق بالقوة المدعومة من الخارج. في هذا السياق برز قائد عسكري استثنائي هو اللواء فؤاد شهاب الذي أدرك أن «المارونية السياسية الكولونيالية» انتهت، وأن الوقت قد حان لإستبدالها ببناء دولة دستورية ترعى جميع مواطنيها. في عهده تأسست الجامعة اللبنانية، مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي وتطورت قدرات الجيش وصولاً إلى مشروع صاروخي متقدّم «أرز 4» بالشراكة مع جامعة خاصة. أصرّ الرئيس شهاب على الحياد الإيجابي وفَرَضَ احترامه حتى على الرئيس جمال عبد الناصر في لقاء الخيمة الشهير على الحدود.
لكن قوى اليمين الماروني لم تستوعب أهمية التحوّل، فشكّلت «الحلف الثلاثي» لإضعاف الشهابية وإحياء منظومة الامتيازات الآفلة... هذه السياسات ساهمت في تسليم الجنوب إلى المنظمات الفلسطينية «فتح لاند» بعد هزيمة 1967 للاستفادة من الدعم المالي العربي الى دول الطوق، ومن ثم تغذية الخطاب الطائفي وصولاً إلى مجزرة «السبت الأسود» عام 1975 ضد الأبرياء الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية.
توالت بعدها الاستدعاءات والتدخّلات من دخول الجيش السوري فالاجتياح الإسرائيلي فتهجير مسيحيي الشوف وعاليه وشرق صيدا وهيمنة ميليشيات «الاتفاق الثلاثي» برعاية نظام الأسد على الحكم وتراجع الدور المسيحي في لبنان والمنطقة.
المشهد الثاني تشكّل بعد اجتياح 1982، صعدت «الشيعية السياسية» بدفع إيراني مباشر، عبر الحرس الثوري الذي أشرف على بناء حزب الله عسكرياً وبدعم مالي هائل بلغ مئات مليارات الدولارات. هذا الدعم مكّن الحزب، إضافة إلى بنيته العسكرية المتجاوزة لقدرات الجيش من إنشاء مؤسسات صحية وتعليمية وإعلامية واقتصادية داخل البيئة الشيعية، مترافقة مع تعبئة عقائدية محورها التبعية لولاية الفقيه الإيرانية.
أبعد هذا المسار شيعة لبنان عن كيانيتهم الأصلية، وأصبح كل معارض يُصنّف خائناً أو عميلاً أو إرهابياً. احتكر حزب الله المقاومة بدعم من نظام الأسد، وأقصى المقاومة الوطنية «جمول» فيما جرى تفريغ اتفاق الطائف من روحه الإصلاحية المؤسساتيّة لصالح ولادة قوى أمر واقع ميليشياوية جديدة.
مع تحرير الجنوب عام 2000 قرأ الرئيس رفيق الحريري اللحظة باعتبارها نهاية مبرر السلاح وبداية مسار بناء دولة سيادية. لكن حزب الله تمسّك بـ«فائض القوة» وبارتباطه بالمشروع الإيراني تماماً كما تمسّكت المارونية السياسية بأوهام السيطرة بعد 1958. حوصِر الحريري سياسياً وصولاً إلى اغتياله في شباط 2005، فانفجرت «ثورة الأرز» التي أخرجت الجيش السوري من لبنان. لكن حزب الله صمد ووسع نفوذه على حساب الدولة وواجه خصومه بسلسلة اغتيالات ثم اجتياح 7 أيار فالدخول في تحالف الأقليات مع تيار ميشال عون والتورّط في الحرب السورية وامتداد النفوذ إلى العراق واليمن مما فاقم توتر علاقات لبنان مع الخليج.
بين 2019 و2020 سقط ركيزتا الاقتصاد اللبناني كما وصفهما ميشال شيحا «المرفأ والمصرف» انهار الاقتصاد، وهُجّر أهل الجنوب والضاحية في الحرب الأخيرة وتَكَبّد حزب الله خسائر فادحة أمام إسرائيل باغتيال معظم قياداته بمن فيهم أمينه العام السيد حسن نصر الله، ليسقط بذلك آخر أوهام «الشيعية السياسية» كما سقطت قبلاً «المارونية السياسية». وللمفارقة لم يكن حتى نواب الحزب وغيرهم على بيّنة من مضمون اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع فيما تواصلت بعدها عمليات اغتيال كوادره بالجملة والمفرق!
كما كان على المارونية السياسية أن تدرك بعد 1958 أن زمن هيمنتها قد انتهى، كان على حزب الله أن يعي بعد 2000 أن فائض قوته يجب أن يُستثمر في مشروع دولة عادلة ودفاع وطني مشترك. لكن غياب الاعتراف بالأخطاء والانجرار وراء أوهام القوة ضمن لعبة المحاور أضاع فرصة بناء الدولة مرتين.
اليوم، وبعد أن وصل لبنان إلى «قاع جهنم» يبقى السؤال هل نملك شجاعة ترميم علاقاتنا الداخلية ومدّ جسور الثقة بين المكونات والاعتراف بأخطاء الماضي والاعتذار عن التدخّلات الخارجية لإنقاذ الكيان قبل أن يندثر؟
وهل سيسمح المتنفذون من مؤسسات الطائفية السياسية بتحويلها من أداة ابتزاز وهيمنة إلى رافعة لمشروع الدولة؟ وهل تتخلى ميليشيات المحاصصة وقوى الامتيازات عن سلطة المال والسلاح لتكون شريكاً في تطبيق الطائف والدستور وفق ميثاقية مقدمة الدستور؟ أم سنبقى متخندقين خلف متاريس أوهام القوة والإمتيازات الباليّة نتفرج على تفكك ما تبقّى من وطن كان يمكن أن يكون «سويسرا الشرق» ورمز حضارة «نقيض العنصريّة» في المنطقة؟