لا يُقاس منسوب العدالة في الدول التي تحترم نفسها بعدد القضاة ولا بحجم قصور العدل بل بحال السجون. يُختبر صدق الدولة خلف الجدران السميكة والأبواب الحديدية لهذه السجون، هل هي دولة قانون أم سلطة أمر واقع؟ هل هي دولة مؤسسات أم منظومة محاصصة؟
تتوالى فضائح الانتهاكات في السجون اللبنانية كما تتوالى الأزمات في كل مفاصل الدولة. مئات الموقوفين يقبعون منذ سنوات طويلة، بعضهم قارب العقدين من دون محاكمات مكتملة أو أحكام مبرمة. يُصنَّفون سياسياً أو إعلامياً تحت عنوان «الإسلاميين» وكأن التوصيف الإعلامي صار بديلاً عن الحكم القضائي. لا وجود لتصنيفات سياسية داخل سجون دولة تحترم نفسها، هناك فقط متهمون يتمتعون بقرينة البراءة ومحكومون بعد محاكمة عادلة.
يبقى سجن رومية أكبر سجون لبنان وأكثرها اكتظاظاً مرآة دقيقة لحال العدالة. ففي 22 كانون الأول 2019 نظّم نقيب المحامين السابق ملحم خلف زيارة ضمّت 726 محامياً ومحامية من نقابتي بيروت وطرابلس إلى السجن، ليخرج يومها النائب الحالي ويقول إن ما شاهده هو معاناة مكتومة من توقيفات طويلة بلا محاكمات وتجاوزات... وغياب آلية فعّالة لتحريك الملفات تلقائياً كما هو حال معظم إدارات دولة الامتيازات. ودعا المحامون إلى تضامن مجتمعي وزيارات مماثلة من المسؤولين قبل أن تُقفل حيثيات الزيارة اليتيمة لأسباب مجهولة!
هذا المشهد ليس تفصيلاً في السياق اللبناني. حين يحتاج ملف موقوف إلى ضغط شعبي أو إقليمي ليتحرك نكون أمام خلل بنيوي في عمل السلطة القضائية. العدالة التي تتحرك بالضغط لا تكون عدالة بل استجابة ظرفية للضغط السياسي.
التحركات الأخيرة لأهالي الموقوفين الذين يُصنَّفون «إسلاميين» وفي حقيقتها مناصري مظلومية هتك نظام الأسد البائد لكل المحرمات الإنسانية بحق الشعب السوري، أعادت فتح جراح قديمة. محاموهم تحدثوا عن تلفيق تهم وانتزاع اعترافات تحت التعذيب، وعن واقع يشبه بحسب توصيفهم «نسخاً لبنانية» من أنماط اعتقال سيئة السمعة في المنطقة، وعن «بزنس قضايا الإرهاب المتوارثة عن منظومة الأسد الأمنية للمنافع المختلفة». هذا الاتهام خطير ويستدعي تحقيقاً قضائياً شفافاً لا سجالاً سياسياً.
المشكلة ليست في فئة دون أخرى بل في المبدأ، هل يجوز أن يبقى إنسان سنوات في التوقيف الاحتياطي بلا حكم؟ أليست المحاكمة خلال مهلة معقولة حقاً أساسياً؟ أليست قرينة البراءة قاعدة دستورية؟ وحين يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة غير معلنة تسقط فلسفة العدالة برمّتها.
أحد أخطر أوجه الخلل هو غياب جهاز قضائي منظّم يتابع الملفات تلقائياً. في الأنظمة المتقدمة توجد دوائر مختصة بمتابعة مدد التوقيف، تُنبّه القضاة تلقائياً إلى تجاوز المهل وتراجع أوضاع السجناء دورياً. أما في لبنان فكثير من الملفات لا تتحرك إلّا بدفع ضغط سياسي أو إعلامي.
حين تحرّكت ملفات بعض الموقوفين السوريين بفعل ضغط إقليمي بدا واضحاً أن النظام قادر على التحرك إذا توفرت الإرادة. والسؤال الذي يطرحه المواطن العادي لماذا لا تتحرك العدالة تلقائياً لكل موقوف لبناني أو غير لبناني من دون وساطة أو تدخّل؟
في تموز 1997 تقدم النواب حسين الحسيني، سليم الحص، عمر كرامي، محمد يوسف بيضون، بطرس حرب ونسيب لحود باقتراح قانون استقلال السلطة القضائية. كان الهدف واضحاً تحصين القضاء من التدخّلات السياسية، تنظيم آلية التعيين والترقية وضمان استقلال مجلس القضاء الأعلى. لكن الاقتراح وُضع في أدراج صاحب مقولة «الضعيف هو من يلجأ إلى القضاء» وبقي هناك كما بقيت القوانين الإصلاحية المرتبطة بتطبيق الدستور. احتُجز النص كما احتُجز الموقوفون وبقيت سلطة المحاصصة أقوى من أي مسعى لبناء مؤسسة قضائية مستقلة. وهكذا استمرت التعيينات والتشكيلات وتحريك ملفات المحتجزين والمحكومين ظلماً رهينة توازنات غب طلب الأمر الواقع.
السجن ليس مؤسسة أمنية فحسب بل امتداد للحكم القضائي. وحين يغيب الإشراف القضائي الفعلي على التنفيذ تتحوّل السجون إلى مساحات ظلاميّة. لا بد من قاضي تنفيذ عقوبات فاعل يراقب بمساعدة وسائل برمجة وبرامج حديثة مدد التوقيف، يبتّ في طلبات الإفراج المشروط ويتابع الشكاوى المتعلقة بالتعذيب أو سوء المعاملة. أي حديث عن إصلاح السجون من دون إصلاح القضاء هو معالجة للأعراض لا للأسباب، لأن الأزمة تبدأ عند لحظة التوقيف لا عند باب الزنزانة.
خلال التحركات الأخيرة سُمعت أصوات تطالب بتدخّل جهات خارجية لإنصاف الموقوفين اللبنانيين على غرار ما حصل في ملفات أخرى. وهذا الطرح مهما كانت دوافعه ينذر بخطر كبير. حين يعجز بلد عن إنصاف مواطنيه بقضائه، ويفكر بالاستعانة بقيادات خارجية يكون قد دخل مرحلة تفكك الدولة. المطلوب ليس وصاية جديدة بل استعادة منطق الدولة. لا يمكن علاج خلل المؤسسات بتجاوزها، فالمنطق الأولي يقول إن إنقاذ الموقوفين يكون عبر إصلاح القضاء لا عبر استدعاء تدخلات تزيد الانقسام.
ما جرى لاقتراح قانون استقلال القضاء يشبه ما جرى لبقية مسار مأسسة الدولة بعد اتفاق الطائف، مجلس شيوخ لم يُنشأ، لا مركزية إدارية لم تُطبق، إعادة تنظيم المحافظات مؤجلة، إصلاح الجيش والقوى الأمنية والسجون متعثر، الفصل الحقيقي بين السلطات غائب، وقوانين تنظيم الإدارات لم تُقَرّ. تعطيل هذه البنود أبقى الدولة في حالة تبعية وأوصلها الى الموت السريري. لتملأ سلطة الأمر الواقع ودولتها العميقة الفراغ على كل المستويات وتُبقي القرارات رهينة احتكارها السياسي المستبد. في ظل هذا الواقع يصبح السجين أضعف حلقة في سلسلة مختلة.
اليوم اللحظة حاسمة إما الانتقال إلى منطق الدولة أو استمرار التآكل. لا يمكن لبلد مفكك اقتصادياً ومؤسساتياً أن يحتمل استمرار هذا النزيف الحقوقي، فالعدالة ليست ترفاً بل شرط بقاء الكيان. استقلال القضاء ليس شعاراً نخبوياً بل شرط لحماية الجميع بمن فيهم من هم في السلطة. حين يضعف القضاء تتسع دائرة الظلم ولا يبقى أحد في مأمن.
إقرار قانون استقلال السلطة القضائية وفق معايير واضحة وتنظيم حديث ومتكامل على كل المستويات، وإنشاء جهاز متابعة آلي لمدد التوقيف الاحتياطي، وتفعيل قاضي تنفيذ العقوبات وزيارات دورية إلزامية للسجون، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لمناهضة التعذيب بصلاحيات فعلية، ونشر تقارير دورية شفافة عن أوضاع السجون، وتحصين التشكيلات القضائية من المحاصصة، وقبل كل ما سبق رفع يد المحكمة العسكرية عن محاكمة المدنيين وإلغاء أحكامها السابقة... هذه ليست مطالب فئوية بل شروط الحد الأدنى لدولة تحترم دستورها وتستحق الحياة.
السجون اللبنانية اليوم ليست مجرد مبانٍ مكتظة إنها عنوان أزمة حكم. الموقوف الذي ينتظر محاكمة عادلة هو امتحان للدولة والاقتراحات الإصلاحية المحتجزة منذ 1997 دليل على أن المشكلة سياسية بقدر ما هي قضائية. الوقت ليس لصالح لبنان، كل يوم تأخير يعني مزيداً من فقدان الثقة، ومزيداً من الانقسام وفتح أوتوستراد الانتقال إلى تبعية جديدة مُنقِذة. إما أن يُفتح باب الإصلاح الحقيقي أو يبقى البلد عالقاً بين سلطة امتيازات ومحاصصة وبين دعوات يائسة للالتحاق بأي جهة تعد بالإنصاف.
الدولة لا تُبنى بالشعارات بل بقضاء مستقل وسجون خاضعة للرقابة ومؤسسات تعمل تلقائياً بلا ضغط. عندها فقط يمكن أن نقول إن لبنان اختار البقاء لا الفناء.