بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الأول 2025 12:15ص ما هي الخطوات العملية للعدالة الانتقالية التي يطالب بها سُنّة لبنان؟

حجم الخط
بعد مقالتي الأخيرة التي تناولتُ فيها أسباب مطالبة الطائفة السنيّة بالعدالة الانتقالية كمدخل لاستعادة كيانيتها ودورها الوطني الريادي تبرز اليوم ضرورة الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر تحديد خارطة طريق عملية تجعل هذه العدالة ممكنة، وتنقل لبنان من نظام الامتيازات والمحاصصة إلى الدولة الدستورية الطبيعية لا بوصفها شعاراً سياسياً بل كواقع قابل للتحقق.
فالعدالة الانتقالية في جوهرها ليست مجرّد ملف حقوقي أو سردية تاريخية بل هي مشروع سياسي ودستوري واقتصادي متكامل يهدف إلى تفكيك البنية التي أنتجت الظلم، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة وتفعيل الشراكة الحقيقية بين مكوّناتها.
ولأن إرث «سلطة الامتيازات الكولونيالية» من جهة ومحاصصة «ميليشيات ما بعد الحرب» من جهة أخرى ما زال يتحكّم بمفاصل الدولة اللبنانية، فإن أي مشروعا جدّياً للعدالة الانتقالية لا بد أن يتوجّه مباشرة إلى جذور الخلل البنيوي في الدولة أي إلى آليات توزيع السلطة، توزيع الموارد وقدرة المواطنين على التمثيل خارج الأطر الطائفية القسرية وشبكات الزبائنية. من هنا يمكن تحديد خمسة محاور أساسية لعدالة انتقالية حقيقية يطالب بها سُنّة لبنان وينتفع منها جميع اللبنانيين وتفتح الباب أمام دولة عادلة قابلة للحياة.
أولاً، إعادة بناء الدولة الدستورية: إن مقدمة الدستور اللبناني ليست نصاً إنشائياً أو ديكوراً سياسياً بل هي العقد المؤسس للدولة الحديثة وتتضمّن مبادئ جوهرية تتعلق بالعدالة، الإنماء المتوازن، سيادة القانون، فصل السلطات، حقوق الإنسان، المواطنة والشراكة الوطنية ومنع الامتيازات. غير أن نظام الامتيازات الكولونيالية ثم محاصصة ما بعد الحرب شوّها هذه المبادئ وأفرغاها من مضمونها. من هنا تشكّل العودة إلى مقدمة الدستور باعتبارها مرجعية فوق دستورية تُفسَّر على أساسها باقي المواد الخطوة الأولى في مسار العدالة الانتقالية.
ثانياً، إصلاح النظام السياسي وإعادة بناء المؤسسات: لا يمكن تحقيق العدالة الانتقالية في نظام يُحتجز فيه المواطن كرهينة لدى طائفته. وعليه فإن الخطوة العملية الأهم تكمن في تطبيق المادة 22 من الدستور من دون تأخير عبر انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي يترافق مع إنشاء مجلس شيوخ طائفي يُمثّل المكوّنات في القضايا المصيرية. هذه الخطوة تُحرّر البرلمان من الارتهان الطائفي وتُعيد الاعتبار للحياة السياسية الحديثة وتُنهي احتكار الزعامات الطائفية لتمثيل جماعاتها.
وفي السياق نفسه لا عدالة من دون قضاء مستقل. فالقضاء اللبناني اليوم أسير نفوذ سياسي وأمني يحول دون محاسبة المتورطين في جرائم الحرب والفساد والاغتيالات والتدمير الاقتصادي. إن إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية وفق المعايير المعتمدة في الدول الديمقراطية الحديثة يشكّل حجر الزاوية في العدالة الانتقالية لكل اللبنانيين. ويواكب ذلك إعادة فتح ملفات الاغتيالات السياسية ووضع حد لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ومراجعة شاملة وسريعة لملفات الموقوفين الإسلاميين وتجريم الإفلات من العقاب عبر نصوص قانونية واضحة.
كما تُفرض العدالة الانتقالية إعادة النظر في التقسيم الإداري للمحافظات وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف بما يحقق عدالة التوزيع، ويمنح الأقضية قدرة فعلية على إدارة شؤونها، يُعزّز صلاحيات مجالسها ويفتح المجال أمام شراكات مع القطاع الخاص لإطلاق مشاريع تنمية محلية. ويترافق ذلك مع إعادة تنظيم وتحديث الإدارات العامة وإخراجها من تعقيداتها المذلّة التي جعلت الفساد المسار الوحيد لإنجاز معاملات المواطنين.
وفي هذا الإطار تحتل بيروت موقعاً محورياً. فالعاصمة مدينة مخطوفة منذ الحرب حُجبت عنها السيادة والأمن والإدارة وغابت عنها العدالة العمرانية والاجتماعية. المطلوب العمل الجدي لتحرير بيروت من هيمنة الميليشيات وسيطرتها الاقتصادية وجعلها مدينة منزوعة السلاح خاضعة بالكامل لسلطة الدولة، مع إعادة بناء مرفئها وربطه بشبكة مواصلات حديثة. كما يقتضي الأمر إعادة تنظيم بلدية بيروت بصلاحيات تنفيذية كاملة ضمن مناطقها التاريخية، وإنشاء مجلس مدينة منتخب يوحّد العاصمة، ويمنحها إدارة مستقلة قادرة على التخطيط العمراني، تطوير النقل، حماية التراث وخلق فرص عمل وتأمين بيئة اقتصادية نظيفة. ويوازي ذلك إعادة الاعتبار لمكانة دار الفتوى واستقلاليتها واستحداث منصب مفتي خاص لمدينة بيروت.
ثالثاً، إطلاق محرّكات الإنماء في المناطق الأكثر تضرّراً: لا عدالة انتقالية من دون إنماء يعيد للإنسان توازنه وكرامته. ولا إنماء من دون الاعتراف بأن طرابلس، الشمال، البقاع وبيروت ذات الغالبية السنية دفعت أثماناً غير عادلة منذ الانتداب مروراً بالوصاية وصولاً إلى نظام الميليشيات. من هنا تبدأ الخطوات بإعادة تشغيل المقومات الاقتصادية لطرابلس والشمال عبر إصلاح مصفاة طرابلس وتشغيلها بإدارة مهنية مستقلة وفتحها أمام الاستثمارات الخليجية والدولية. كما ينبغي تحويل مرفأ طرابلس إلى مركز لوجستي إقليمي وربطه بشبكات النقل البحرية والبرية، وإحياء معرض رشيد كرامي الدولي ليصبح مدينة دائمة للمعارض والمؤتمرات مفتوحة على الشراكات العربية والدولية.
ويُستكمل ذلك بإعادة تفعيل مشروع المدينة الصناعية ورفع يد المتسلّطين على هنغاراتها لخلق فرص عمل وتحفيز الإنتاج ووضع آثار طرابلس على خريطة السياحة اللبنانية والعربية والدولية، وتشجيع الاستثمار الفندقي في طرابلس وصيدا من دون عراقيل استنسابية. كما يقتضي استعادة أصحاب الثروات لدورهم الطبيعي في المشاريع التنموية بعيداً عن المتاجرة السياسية بالفقر والحرمان.
وفي الإطار نفسه يشكّل تشغيل مطار القليعات وتحويله إلى بوابة اقتصادية خطوة أساسية لتخفيف الضغط عن مطار بيروت وخلق آلاف فرص العمل. كما يجب رفع القيود عن الاستثمارات في عكار من مزارع الأسماك إلى الزراعات الحديثة وتربية المواشي وبما يلبّي حاجات المناطق الأكثر فقراً.
أما إنماء البقاع فيمرّ عبر تفعيل الزراعة والصناعات الغذائية ومعالجة تلوث نهر الليطاني بأساليب علمية، ودعم البنى التحتية من مياه وطرقات وكهرباء وغاز، وتنظيم المعابر وضبط الاقتصاد الموازي وتشجيع مشاريع الطاقة المستدامة وتطوير شبكة مواصلات حديثة تربط البقاع بالعاصمة.
رابعاً، تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة بناء النسيج الأهلي والثقافي: لم تدمّر الحرب الحجر وحده بل دمّرت الروابط الاجتماعية، العادات، المؤسسات والمشترك الأهلي في طرابلس وبيروت والبقاع وعكار والجبل. من هنا تبرز الحاجة إلى برامج جدّية لإعادة البناء الاجتماعي، دعم المدارس الرسمية وإعطاء الجمعيات التاريخية دورها في بناء طبقة وسطى فاعلة وحماية الهوية الوطنية الجامعة، ووقف الاستثمار السياسي في الفقر. كما لا بد من إصلاح الإعلام وإصدار قانون حديث لإعادة تنظيمه، بالتوازي مع إصلاح القطاع التربوي لوقف ثقافة التعبئة والاحتكار الطائفي.
خامساً، استعادة مكانة لبنان عربياً وإقليمياً: لا يمكن للبنان أن ينهض من دون شراكة حقيقية مع محيطه العربي والإسلامي والدولي. والعدالة الانتقالية شرط أساسي لاستعادة العافية الوطنية، لأنها تنهي منطق الميليشيا، الارتهان الخارجي، تعطيل المؤسسات وانهيار الاقتصاد. وعندما تستقيم الدولة تستقيم علاقاتها وشراكاتها...
أخيراً، إن العدالة الانتقالية ليست مطلباً سنياً فحسب بل هي خارطة طريق لدولة حقيقية. فالخطوات المطروحة ليست لائحة أمنيات بل برنامج دولة دستورية متكاملة بمؤسسات حديثة وفاعلة، ومواطنة فعلية، وشراكة وطنية حقيقية على كل المستويات. والطائفة السنية التي تخلّت عن زعاماتها التقليدية تبدو اليوم الأكثر أهلية للدفع بهذا المشروع الإنقاذي.
إنها عدالة انتقالية تعيد إنتاج المواطن بوصفه مواطناً لا تابعاً لزعامة وتشكّل مساراً إنقاذياً يستفيد منه جميع اللبنانيين، لأنها تعالج جذور الانهيار وتعيد الدولة إلى طبيعتها ومكانتها.