في بلدٍ أنهكته الطائفية وأفرغته الزبائنية وكسرت ظهره التسويات الهشّة ويعاني قسمٌ كبير من شعبه فراغاً سياسياً يسمح بتمدّد قوى الامتيازات الطائفية، يبدو الحديث عن تأسيس حزب سياسي جديد مغامرة غير مأمونة العواقب. فلبنان لا يعاني نقصاً في الأحزاب بل فائضاً في الكيانات التي تحمل اسم السياسة وتمارس نقيضها. ومع ذلك يفرض هذا الواقع نفسه فما نشهده اليوم ليس مجرّد انهيار دولة بل انهيار فكرة الدولة ذاتها وانكشاف شامل لمعنى العمل السياسي ووظيفته.
من هنا تبرز محاولة تأسيس «حزب الوسط - ديمقراطية المعرفة والمشاركة» بوصفها محاولة مختلفة في منطلقها. فهي لا تزعم امتلاك الحلّ السحري بل تسعى إلى إعادة طرح السؤال الجوهري، كيف نعيد بناء السياسة كخدمة عامة؟ والدولة كراعٍ عادل؟ والمواطنة كعلاقة حقوق وواجبات لا كامتياز طائفي؟
لا يمكن مقاربة أي مشروع سياسي جديد في لبنان من دون التوقّف عند واقع الطائفة السنيّة التي تعيش منذ سنوات حالة إحباط ووهن سياسي غير مسبوقة. وهذا الإحباط لا يعود فقط إلى تراجع النفوذ أو غياب القيادة بل إلى شعور أعمق بانهيار فكرة الدولة التي شكّلت تاريخياً ركيزة الدور السنّي في لبنان، وتحوّل السياسة إلى إدارة للخوف بدل إدارة للمصالح العامة.
غير أن المقاربة التي ينطلق منها حزب الوسط لا تقوم على استعادة «حقوق طائفة» بل على استعادة وظيفة وطنية عنوانها إعادة وصل ما انقطع بين السُنّة والدولة وبين السياسة والأخلاق وبين الانتماء والمشروع.
ما يميّز هذا المشروع أنه لا يكتفي بخطاب وسطي عام بل يؤسس نفسه على ثلاثية مرجعية واضحة هي منهج الإمام الأوزاعي، الوسطية والمدنيّة المنوّرة. وهي ليست شعارات إنشائية بل محاولة واعية لبناء توازن فكري يمنع الانزلاق نحو التطرف الديني أو العلمانية الإقصائية.
فالإمام الأوزاعي فقيه الشام والأندلس انطلاقاً من لبنان لم يكن فقيه جماعة مغلقة بل فقيه دولة ومجتمع متعدّد. وفي فكره نجد احترام التعدد، حماية الأقليات وتقديم المصلحة العامة على العصبية. واستحضار هذا المنهج اليوم ليس حنيناً إلى الماضي بل تأكيداً على أن الإسلام السنّي المشرقي كان تاريخياً حليف الدولة والقانون لا خصمها.
أما الوسطيّة فليست موقعاً رمادياً بين متخاصمين بل منهج حكم يقوم على التوازن بين الحريّة والمسؤولية وبين العدالة والاستقرار وبين الحقوق والواجبات. وهي رفض للغلو الديني واليسارية الشمولية الإقصائية كما لليبرالية المتوحشة، ومحاولة لبناء قرار سياسي عقلاني غير شعبوي ركيزته الطبقة الوسطى بوصفها العمود الفقري للمجتمعات الحديثة.
وتأتي المدنيّة المنوّرة لتكمل هذه الثلاثية بوصفها صيغة تتجاوز الثنائية القاتلة بين الدولة الدينية والدولة العلمانية الفارغة من القيم. فالدولة المنشودة مدنيّة في مؤسساتها وقوانينها لكنها منوّرة بقيم العدالة والكرامة والمساواة، مستلهمة تجربة صحيفة المدينة ببنودها الـ 52 كنموذج تاريخي لدولة مواطنة تحترم الخصوصيات من دون تحويلها إلى أدوات صراع.
وانطلاقاً من هذه المرجعية يعتمد حزب الوسط تشخيصاً فكرياً عميقاً لأزمة النظام اللبناني مستفيداً من أطروحات مفكرين كبار مثل عبد الوهاب المسيري، علي عزت بيغوفيتش ومحمود ممداني. فالطائفيّة وفق هذا المنظور ليست قدراً ثقافياً بل نظام حكم لإدارة الامتيازات الكولوناليّة ومنع قيام المواطنة. والدولة ليست جهازاً إدارياً فحسب بل كياناً أخلاقياً يفقد شرعيته حين يفقد عدالته.
من هنا يسعى الحزب إلى نقل الصراع من الهوية إلى البرنامج، ومن الطائفة إلى المواطن، ومن الزعامة إلى المؤسسة وبناء قيادات متجددة. وهو يدرك أن هذا التحوّل لا يتم بخطاب ثوري بل بعمل تراكمي طويل النفس يبدأ من المجتمع أي البلديات، النقابات، الجامعات والمبادرات المحلية...
ويتمثّل الشقّ الأكثر تميّزاً في هذا المشروع في اعتماده مفهوم «ديمقراطية المعرفة والمشاركة». فالأزمة اللبنانية ليست أزمة تمثيل فحسب بل أزمة قرار يُتخذ في غرف مغلقة بلا معرفة ولا محاسبة. لذلك يطرح الحزب ربط السياسة بالعلم والخبرة وتجارب الآخرين وبناء سياسات عامة تستند إلى البحث والتحليل لا إلى الغرائز والشعارات.
وفي المقابل لا معنى للمعرفة من دون مشاركة والمشاركة نقيض الاحتكار. فالديمقراطية المنشودة ليست تفويضاً أعمى كل أربع سنوات بل مشاركة فعلية في صنع القرار وبناء قيادة من القاعدة إلى القمة لا العكس.
في هذا السياق لا يطرح حزب الوسط نفسه ممثلاً للطائفة السنيّة بل منطلقاً منها نحو مشروع وطني جامع. فالسُنّة بحسب هذا التصور ليسوا أقلية تبحث عن حماية ولا أكثرية تطلب غلبة، بل مكوّناً تاريخياً حمل فكرة الدولة والمؤسسات ويُفترض به اليوم أن يستعيد هذا الدور عبر تقديم نموذج حكم عادل ومسؤول.
في المحصلة لا يدّعي حزب الوسط امتلاك الحل النهائي لأزمة لبنان، لكنه يقدّم نفسه كمحاولة جادة لمواجهة خطيئة التفريغ المدمّر عبر استعادة الكيانية المنسجمة مع نفسها ومع باقي المكوّنات بعد عقود من التدمير الاجتماعي والسياسي. وهو يسعى إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها فعلاً أخلاقياً وللدولة كمرجعية جامعة وللمواطنة كعقد اجتماعي لا كامتياز طائفي. إنه مشروع مفتوح للنقاش قابل للتطوير، لكنه واضح في بوصلته، لا خلاص للبنان إلّا بدولة عادلة ولا دولة بلا سياسة نظيفة ولا سياسة بلا معرفة ومشاركة ضمن نظام مؤسساتي متكامل منفتح شرقاً وغرباً.
قد لا يكون الطريق سهلاً وقد لا تكون النتائج سريعة، لكن في بلدٍ استُهلكت فيه كل الوصفات ربما تكون الجُرأة الحقيقية هي البدء من الأساس، من الفكرة قبل الزعامة وتمويلها ومن الدولة قبل الطائفة وتبعيتها العمياء ومن الإنسان المواطن قبل السلطة واحتكاراتها الجشعة... وصولاً إلى عمل سياسي يعيد توجيه الدولة من خدمة الزعامات التي أوصلت الى الإنهيار والسقوط المتتابع إلى خدمة مجتمع مواطنين متساوين وأحرار.