بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 تشرين الأول 2025 12:00ص مبدأ «المينيماكس».. كيف تمارس إيران سياسة تقليل المخاطر؟

حجم الخط
استهلّ كاتب الخيال العلمي، فيليب ديك احدى رواياته بالجملة التالية:
«إنَّ الاستراتيجية الجيّدة تتطلّب استخدام مبدأ «المينيمـاكس» (minimax)، أي اتباع سياسة تقوم على احتمال سلسلة من الفرص المتفاوتة بدرجة كبيرة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ العدو قد يتمكّن من اكتشاف خطتكم. ولكن، لكي لا يتمكّن من اكتشافها، يُصار إلى إرباكه بجعل الاستراتيجية غير محدّدة، وذلك باستخدام عناصر من ألعاب الحظّ...».
هذا المبدأ أول ما ظهر في نظرية اللعب (Game Theory) التي أسّسها العالِم جون فون نيومان، وهو يقوم على منطق بسيط:
حاول أن تُقلّل خسائرك القصوى، أي افعل ما يضمن لك أفضل نتيجة في أسوأ الظروف الممكنة. فبدل أن تبني استراتيجيتك على التفاؤل، تبنيها على التحوّط ضد أسوأ سيناريو، بحيث تخرج بأقل ضرر ممكن حتى لو كانت كل الظروف ضدك.
ولقد استُخدم هذا المبدأ في سياق الاستراتيجيات السياسية والعسكرية والاقتصادية: صاحب القرار لا يغامر كلياً باتجاه واحد؛ بل يختار مساراً يوازن بين المخاطر والمكاسب، بحيث يضمن الحد الأدنى من الأمان حتى لو فشلت خياراته الأخرى. وبما أنّ العدو قد يتمكّن من اكتشاف خطتك، يجب أن تجعل استراتيجيتك غير قابلة للتوقّع، أي تعتمد على قدر من العشوائية أو الاحتمال (jeux de hasard) لإرباك الخصم.
استخدم هذا المبدأ في السياسة الدولية: عندما تُبقي دولة ما خياراتها مفتوحة أمام حلفاء وخصوم في آن واحد، لتمنع الآخرين من معرفة وجهتها النهائية.

مبدأ «المينيماكس» يجعل الخصم في حالة لا يقين دائمة

تلجأ بعض الدول الصغيرة أو المُهدَّدة إلى اعتماد هذا المبدأ عندما تتحرك بين محاور متصارعة. فهي لا تنحاز كلياً لأي طرف، بل تحافظ على مساحة من الغموض والتوازن، لتضمن عدم خسارة الجميع إذا تبدّلت موازين القوى، على غرار ما تفعله سلطنة عمان. هذه المقاربة، وإن بدت متناقضة أحياناً، تمكّنها من البقاء في لعبة القوى بدل أن تُقصى منها.
بهذا المعنى، لا يُنظر إلى المينيمـاكس كتكتيك انفعالي، بل كمنهج تفكير يعترف بواقع اللا يقين ويحوّله إلى أداة تحكّم. فالسياسة، كالحرب، ليست دائماً لعبة فوز أو خسارة، بل هي في كثير من الأحيان فنّ تقليل الخسائر وضمان الاستمرارية.
عكست الأحداث الأخيرة، ولا سيما حرب الإثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025، بوضوح كيف تُطبَّق هذه الاستراتيجيات في الصراعات الإقليمية؛ وكيف تم توجيه سلوك جميع الأطراف: إسرائيل وإيران وأطراف النزاع التابعة لهما.
إيران وإسرائيل تطبقان هذا المبدأ. إيران تحاول تقليل الخسائر القصوى عبر التحفّظ على النووي، فتبقي على ضبابية نووية. مع الميل الى الحفاظ على قدرات تخصيب كبيرة ومرنة بدلاً من إعلان نوايا حاسم؛ هذا يمنحها ورقة ضغط دون التزام بخيار نووي معلن، وبالتالي يقلّل من أخطر الخسائر (استهداف وجود الدولة نفسها او النظام) بينما يُبقي القدرة على الانتقال إلى خيارات أقوى إن دعت الحاجة.
ادخلت عنصر العشوائية والإرباك عبر الشبكات والوكلاء (عملاء وميليشيات). ان استخدام وكلاء إقليميين (حزب الله، الحوثيون، ميليشيات عراقية وسورية) يسمح لإيران بفتح جبهات متعددة مع إبقاء قابلية نسبتها إليها ضبابية. هذا ما يجبر الخصوم على تشتيت الموارد ويقلّل احتمال استهداف البنى التحتية الإيرانية مباشرة في المرحلة الأولى.
في المقابل، أظهرت الضربات القوية ضد هذه الشبكات مؤخّراً حدود هذه الاستراتيجية.
تَستخدم المناورة الاستراتيجية كخيار مفتوح. طهران تردّ أحياناً بالإعراب عن استعداد للتفاوض أو قبول مقترحات «عادلة» شريطة ضمانات متبادلة؛ هذا يوفّر مخرجاً في حال تصاعدت الضغوط ويمنع الدخول في خسارة كلية، وهو تطبيق مباشر لمنطق المينيمـاكس.
تحاول التوازن مع قوى كبرى للحماية الجزئية (تقليل المخاطر عبر التحالفات غير المتينة).
فتمنحها علاقاتها مع روسيا والصين درجات من الدعم أو الحماية السياسية والاقتصادية. نجحت في البداية، لكن الأزمة الأخيرة أظهرت أنها ليست ملاذاً مطلقاً. الاعتماد على هؤلاء الشركاء يبقى محاولة لتقليل الخسائر القصوى، لكن له حدود واضحة.
التحدّي الداخلي التي تواجهه هذه السياسة، أن تتحوّل الى حالة ركود دائم. فحين يصبح اعتماد الضبابية والإرباك سياسة دائمة، فإن ذلك يضعف القدرة على الإصلاح الداخلي ويطيل مرحلة المواجهة غير الحاسمة، وبالتالي يحوّل آلية «البقاء» إلى آلية لإدامة المأزق؛ في إيران ثمة نقاش داخلي حول فاعلية هذا النمط بعد الضربات والخسائر الأخيرة، مقابل وضع داخلي مأزوم ومتفجر.
برهنت الضربات التي تعرّضت لها البنية التحتية لوكلائها والقدرات العسكرية لكليهما في الآونة الأخيرة على حدود هذه المقاربة، كما أن استمرار هذه السياسة كسلوك دائم قد يحوّل آلية البقاء هذه إلى مصدر ضعف داخلي وإقليمي.