بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 كانون الثاني 2026 12:10ص مراهقة سياسيّة داعية إلى تغيير الدستور في ظل تحكّم دولة الميليشيات

حجم الخط
يشهد لبنان في واحدة من أخطر لحظاته التاريخية موجةً متصاعدة من الدعوات إلى تغيير الدستور، يقودها بعض من يمكن تسميتهم دون تجنٍّ، بـ«مراهقي السياسة» ممن يختزلون الانهيار الشامل الذي أصاب الدولة اللبنانية في نصٍّ دستوري، متناسين عن قصد أو عن جهل أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في الدستور بل في السلطة التي اغتصبت الدولة وعطّلت الدستور وحوّلته إلى ورقة بلا روح ولا مؤسسات.
هذه الدعوات لا تصدر في فراغ بل في سياق دولة مخطوفة، تهيمن عليها منظومة محاصصة ميليشياوية ثلاثية الأبعاد سياسية أمنية ومالية حلّت مكان مشروع الدولة الدستورية ومؤسساتها، وتحوّلت من سلطة انتقالية بعد اتفاق الطائف إلى نظام ميليشياوي دائم لإدارة الانهيار وتقاسم الغنائم.
من أبسط بديهيات الفكر الدستوري أن النص الذي لم يُطبَّق لا يُدان بل يُدان من عطّله. والدستور اللبناني المنبثق عن وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) لم يُنفَّذ في جوهره، بل جرى التعامل معه انتقائياً وتفريغه منهجياً من مضمونه، مع النجاح في استخدامه خطابياً لتبرير ممارسات تناقضه على جميع المستويات.
لم تُستكمَل السلطة التشريعية بإنشاء مجلس شيوخ كما ينصّ الطائف لضمان حقوق الطوائف ونقل الصراع الطائفي من مجلس النواب إلى إطار تمثيلي تكاملي خاص. كما رفضت سلطة المحاصصة تطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة بعد إعادة تقسيم المحافظات بشكل متوازن ومتوازي لما في ذلك من تهديد لاحتكار شبكات الزبائنية والتحكّم بالموارد. ومَنَعَت إقرار استقلالية السلطة القضائية لأنها تشكّل خطراً وجودياً على منظومة الإفلات من العقاب. وتَنَكّرت لميثاقية مقدّمة الدستور رغم أنها جزء لا يتجزأ منه وتشكّل الإطار الأخلاقي والسيادي الجامع. كما عَطَّلت القوانين التطبيقية لإدارات الدولة وتنظيم الجيش والقوى الأمنية وأبقت المؤسسات بلا أنظمة فاعلة...
إن من يتحدث عن فشل الدستور عليه أولاً أن يجيب من الذي عطّله؟ ولماذا؟ ولصالح من؟
إن الدعوة إلى إنشاء هيئة لإعداد دستور جديد في ظل الواقع الحالي ليست خطوة إصلاحية بل مغامرة دستورية خطيرة ولا يمتلك أصحابها حكمة طرح المسائل في الزمان والمكان المناسب، لأنها تتجاهل حقيقة أساسية في علم بناء الدول لا يمكن إنتاج دستور ديمقراطي في ظل سيطرة قوى أمر واقع مسلّحة لا تؤمن باحتكار الدولة للقوة. فكيف يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد بينما الدولة لا تحتكر السلاح؟ والسيادة منقوصة؟ والقضاء مرتهن؟ والإدارة العامة مخترقة ومشوهة؟ والبرلمان معطَّل أو مشلول بالتوافقات القسرية؟ والعمل المؤسساتي في خبر كان؟
من الطبيعي والحال هذه أن تتحوّل أي هيئة تأسيسية إلى مرآة لميزان القوى القائم لا لإرادة الشعب، وأن تصبح أداة لشرعنة ما هو غير شرعي، وتوسيع صلاحيات سلطة الأمر الواقع تحت غطاء «دستوري».
المشكلة اللبنانية ليست دستورية بل بنيوية سلطوية في مواجهة الدولة الدستورية. نحن أمام دولة مزدوجة، دولة رسمية بنصوص جميلة مُغَيّبَة ودولة عميقة ميليشياوية تتحكّم فعلياً بالقرار. هذه الدولة العميقة ترفض الفصل بين الإدارة العامة والسياسة وتسيطر على الوزارات والمؤسسات كإقطاعات، وتضع يدها على الكهرباء والاتصالات والإنترنت والخليوي وصناديق تحل مكان الوزارات... وتحوّل قضايا الناس إلى سلعة تفاوض وتقاسم حصص وتمنع قيام إدارة مهنية محايدة، وترفض أي إصلاح يمسّ منظومة الامتيازات. وفي هذا السياق يصبح الحديث عن دستور جديد قفزاً فوق المرض إلى تغيير شكل الضماد.
لا وجود لدستور ديمقراطي حيث لا تحتكر الدولة القوة والسلاح. هذه ليست مسألة أيديولوجية بل قاعدة تأسيسية في كل التجارب الدستورية الحديثة. إن رفض احتكار الدولة للقوة ينسف مبدأ الفصل بين السلطات ويحوّل الحكومة إلى واجهة والبرلمان إلى هيئة تفاوض حول الحصص والقضاء إلى جهاز خاضع للتوازنات. ويصبح تعطيل المؤسسات جزءاً من منطق عمل الميليشيات التي تسيطر على المولدات الكهربائية في الشوارع، وتوزيع الإنترنت والمياه في الأحياء والأزقة، وفرض الخوّات على المؤسسات والمحلات تحت عناوين زائفة من «المقاومة» أو «الأمن» وبقوة الزعامة الميليشياويّة. وأي دستور يُكتب في ظل هذا الواقع مهما بلغت جودته النظرية سيُشوَّه ويُفرَّغ من مضمونه ويُستخدم ضد الدولة نفسها.
نعم الدساتير ليست نصوصاً مقدّسة ويمكن تغييرها وتطويرها. لكن المقدّس في العمل الدستوري هو السياق الأخلاقي والسيادي والمؤسساتي الذي تُكتب فيه. إن الدعوة إلى تغيير الدستور في ظل غياب السيادة، وسيطرة الميليشيات، وانهيار المؤسسات، وغياب القضاء المستقل ليست شجاعة سياسية بل مراهقة سياسية وجهل بمنطق الدولة الدستورية الديمقراطية الراعية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الدعوات تلقى دعماً من شرائح في الاغتراب اللبناني، دون إدراك أن هذا المسار يشرعن سلطة الأمر الواقع ويوسّع نفوذها ويقود إلى اندثار الوطن لا إلى إصلاحه. والمؤلم حقاً ليس فقط مضمون هذه الدعوات بل أن يأتي بعضها من أشخاص يرفعون شعارات ثورة 17 تشرين، التي انطلقت لاستعادة الوطن وبناء دولة على قياس مستقبل أبنائنا. فننتقل من شعار «كلن يعني كلن» إلى «غيّروا الدستور واتركوا السلطة كما هي»! وهذا ليس تطوراً سياسياً بل نكوص أخلاقي ومعرفي.
الدستور اللبناني ليس بريئاً من الحاجة إلى التطوير لكنه بريء من تهمة الانهيار. والانهيار سببه سلطة لم تؤمن يوماً بالدولة بل تعاملت معها كغنيمة. تعلّموا منطق الدولة قبل الدعوة إلى تغيير دستورها واستعيدوا المؤسسات قبل العبث بالنصوص، وواجهوا دولة الميليشيات قبل كتابة أي عقد اجتماعي جديد. فحتى لو كتبتم دستوراً بمستوى السويسري أو الكندي أو السويدي ستشوّهه سلطة لا تؤمن إلّا بالقوة، وتفرغه من روحه وتحوّله إلى أداة ضد الوطن. والتاريخ في مثل هذه اللحظات لا يرحم البراعة في المراهقة السياسية التي يروّج لها البعض.