بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 كانون الأول 2025 12:31ص مسؤولية حزب الله

حجم الخط
بُعيد القرار الشجاع والجريء الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني التاريخي، الراحل ياسر عرفات، بجلاء القوات الفلسطينية عن لبنان، إنفرد حزب لله بالساحة اللبنانية.
أنشأ المقاومة الإسلامية، وملأ الفراغ الذي تركته منظمة التحرير الفلسطينية ورائها، وصار يشتغل على جبهتين:
١- الجبهة الخارجية في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي أدمى صبرا وشاتيلا (بالتعاون).
٢- والجبهة الداخلية من خلال مبادرته للإنخراط بالدولة اللبنانية، حتى تنهض على قدميها، بعدما قاست ما قاسته، طوال الحقبة الماضية، من الحرب التي كانت دائرة: بين منظمة التحرير الفلسطينية وقوات العدو الإسرائيلي، والتي كانت قد أحرجت فأخرجت (4 حزيران العام 1982)، فإجتاحت لبنان، وإحتلت العاصمة بيروت، فكان وقع ذلك عظيما، بإحتلالها أول عاصمة عربية...
كان حزب لله يبني على مهل قدراته على الجبهتين.
١- خصوصا بعدما نجح في إستمالة بيئته، فجعلها متراصّة خلفه.
وبعدما إتخذ له الحلفاء المحليين من جميع الطوائف: (موارنة) حزب لله، و(سنّة) حزب لله. و(دروز) حزب لله.
ثم جمع فأوعى، فكانت له سرايا المقاومة، حيثما أراد.
٢- وكذلك بعدما إتخذ الحلفاء الخارجيين في جميع البلدان تقريبا، وأنشأ السرايات والفرق والجمعيات، حيثما طالت يده في جميع الأوطان، وفي جميع الساحات.
ثم توّج جهوده كلها، فأنشأ محور الممانعة من القوى ومن الدول على حد سواء، فصار هو القطب، وصار القرار عنده على جميع المستويات، حتى بات الناس في الداخل كما في الخارج، يتحدثون في الخفاء وفي العلن، عن «دولة حزب لله» الممتدة والمتمددة، أقلّه في خمس دول: لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين، ولا نقول فقط، غزة والقطاع.
أمسك حزب لله خلال أكثر من نصف قرن بالقرار العسكري في هذه الدول جميعا. كانت إرادته فوق كل إرادة، وكانت سياسته فوق كل سياسة، فصار بذلك، قوة صاعدة لمقارعة إسرائيل، ولمقارعة أميركا، وكان مهيب الجانب على هذا الصعيد، يحسب له عند الجميع ألف حساب. كان حزب لله، صاحب مشورة في كل قضايا المنطقة، وكان يستفتى عند الحاجة إلى الإستفتاء، في جميع الشؤون بلا إستثناء. فلا يكتمل إجتماع، ولا يكتمل إجماع، إلّا بحضور حزب لله، فإنفرد بـ«بطاقة الفيتو» دون سائر القوى الحزبية والدولتية في لبنان، وفي الهلال الشيعي الذي أنشأته إيران، وجعلت من ساحاته، ساحات له.
كان «نجم» حزب لله يصعد يوما بعد يوم. فكلما إشتدّ قوة، سطع نجومية، واشتدّت وسطعت بيئته، حتى صارت كلها يدا واحدة خلفه. تخرج إذا ما خرج، وتحلف بما حلف، وتفتخر وتفاخر: بأن نعمة حلت بينها، حين أوسعت له...
بسط حزب لله يده لجميع القوى والفعاليات والأحزاب في لبنان، وألان لهم خده، حتى إستأمنوا له، كان حقا، قد أحسن سياسة التمدد في المناطق، بشيء حسن له، ولم يحسن لسواه: بسط اليد وإلانة الخد، وكانت مقدرته نافذة، لأنه كان يتحرك عن قوة قوية لا عن ضعف.
وقف حزب لله على أعلى المنابر، وقال بما تقول به إيران/ الدولة، في المعتقد وفي الولاء، وفي إتخاذ القرار، وفي الإعلان جهارا ونهارا، أن المال الذي تحته، كما المال الذي بين يديه، كما الآلة، كما الأجهزة، كما الأجنحة العسكرية والصحية والخدماتية والمالية؛ كلها من إيران، ولا فخر!
كان أمينه العام الراحل سماحة السيد حسن نصر لله، (قدّس لله سرّه)، القائد الملهم، والخطيب المفوّه وصاحب الكاريزما، حسم وجود الدولة اللبنانية كلها في قبضته، فكان إذا لوّح بها، تهتز الشاشات وتهتز الأجنحة، وتهتز الدول، كان سرير الملك كله تحته، يصحّ فيه ما قاله المتنبي في سيف الدولة:
(يهزّ الجيش حولك جانبيه/ كما نفضت جناحيها العقاب)
تماما كما يصحّ فيه قول أمير الشعراء أحمد شوقي: (كانوا ملوكا، سرير الشرق تحتهم/ فهلا سألت سرير الغرب ما كانوا).
عاش الجنوب كما الجنوبيون متألقين في كنف سيد المقاومة وفي رعاية وحماية حزب لله، وكذا تألّقت الضاحية في الكنف والرعاية والحماية. كانت حارة حريك عاصمة العواصم، من زارها، لا يزور بعدها. يذهب في عناية حزب لله وصونه، ويتألق في منصبه قبل موعده. ويحتل بعد ذلك الشاشات، في صورة (أرمسترونغ). ولا يسأل بعدها، إلّا سؤالا واحدا: وكيف كان ذلك؟
أكثر من نصف قرن، كانت رايات حزب لله، فوق كل راية. وكان منبر حزب لله، فوق كل منبر. وكانت له الكلمة الحسم في كل القضايا، من العتبة إلى المئذنة. ولهذا إتسعت الدنيا له. أخذها مرة بالإلانة، ومرة بالمغالبة. فأحسن سياسة المفاوضة على القضايا الصغرى، على طريقة معاوية. وأما في القضايا الكبرى، فكان كل خبر عنده. تجشّم حزب لله، كل هذه المسؤوليات وحده، تنكبها وحده، كان لا يحب المشاركة، حتى في المقاومة، خزل جميع من جاءوا إليه، ليقاوموا بين يديه. كان يقول لهم كلمة حاسمة جازمة: نحن المقاومة!
مسؤولية حزب لله اليوم في مأزق، لأنها باتت على المحك، يقف على تلال الأتربة في القرى المحروقة في الجنوب، وكذا في الضاحية المنكوبة، يرى الناس يجتمعون حوله، وفي أفواههم كلمة واحدة:
سألتك ردّ إلينا قرانا. ردّ إلينا الضاحية. كفّ عن رقابنا أحزمة النيران. كفّ عن شبابنا وعن نسانا وأولادنا وعجائزنا أذى العدو الذي يلاحقنا.
سألتك:
اليوم حان موعدك.. اليوم حان وعدك.
تحمل المسؤولية بكل جرأة وبكل شجاعة. وردّ إلينا الدارات أجمل، كما وعدتنا!