بعد الملحمة البطولية التي سطرها الجنوبيون في مواجهة العدو الإسرائيلي، حيث اضطر جيش الاحتلال مرغماً إلى الانسحاب من عدد من القرى والبلدات الجنوبية، بانتظار خروجه النهائي قبل الثامن عشر من الشهر المقبل، بعد تمديد مهلة الشهرين التي نص عليها الاتفاق، فإن هناك إرادة لبنانية صلبة في استنفار الوسائل الدبلوماسية، من أجل ممارسة الضغوطات على إسرائيل لسحب جيشها مع انتهاء المهلة الجديدة الممددة، تفادياً لمحاذير لا يمكن التكهن بنتائجها، بعد تحذيرات الأمين العام ل"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الأخيرة . بالتوازي مع تصاعد الدعوات داخل الكيان الغاصب، لعودة الحرب ضد لبنان، طالما لم يعودوا سكان المستعمرات إلى الشمال . وقد تلقى المسؤولون اللبنانيون تطمينات من عدد من العواصم الدولية، بأن لا عودة للحرب في الجنوب، وأنه ليس أمام إسرائيل إلا أن تسحب جيشها بشكل كامل من جميع الأراضي اللبنانية في نهاية الفترة الممددة .
ومع بروز مؤشرات إيجابية بإمكانية أن ترى حكومة العهد الأولى النور في غضون أيام قليلة، بعد التغلب على العقبات التي كانت تؤخر الولادة، بإعطاء حقيبة المالية ل"الثنائي"، فإن مصادر دبلوماسية خليجية، تقول ل"موقع اللواء"، إن "لبنان الآن أمام فرصة ذهبية يجب ألا تهدر، خاصة بعد انتخاب رئيس توافقي على مسافة من الجميع، ولديه القدرة على مواكبة الانفراج المأمول، من خلال عودة قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية. وبالتالي فإن من مصلحة الجميع أن ترى الحكومة العتيدة النور في أسرع وقت، لمواكبة ما حصل من تطورات في لبنان والمنطقة، سيما في ظل وجود دعم كبير للعهد الجديد الذي يؤمل منه أن يضع لبنان على سكة النهوض والنماء ، وأن يقتنع جميع الفرقاء، بأن مصلحة لبنان تتعدى مصالح الآخرين، وبأن لا مجال لفرض خيارات على اللبنانيين لا يمكن أن يقبلوا بها".
وتشدد المصادر ، على أن هناك مصلحة أساسية للبنانيين في فك ارتباطهم بالمحاور الإقليمية، تفادياً لمزيد من استباحة الأراضي اللبنانية . وهذا ما يفرض على المكونات الداخلية أخذ العبر من الدرس السوري الذي يجب أن يدفع هذه المكونات إلى عدم الالتحاق بأي محور، وأن يتم وضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار. سيما وأن الخسائر البشرية والمادية لاستخدام لبنان ساحة مواجهة، كانت أكبر بكثير من قدرة اللبنانيين، على ما جرى في الحرب الأخيرة على لبنان، حيث لم يكن خيار "حزب الله" صائباً، لأن إسناد غزة لم يسفر عن شيء، بقدر من دمر لبنان وأعاده سنوات وسنوات إلى الوراء . بعدما أمعنت إسرائيل قتلاً وتدميراً في حق الشعب اللبناني .وتعتبر المصادر أن الوقت بات عاملاً ضاغطاً على لبنان، في ظل ما يواجهه من كوارث . ولذلك لا يجوز ملاقاة الاستحقاقات المنتظرة، وفي مقدمها تطبيق القرار 1701 ، إلا من خلال تشكيل حكومة موثوقة وقادرة . وهذا يتطلب من جميع المكونات السياسية أن تعي خطورة ما يجري، وأن تعمل على إنقاذ لبنان .
وإذ تتكثف المساعي الدبلوماسية لإرغام إسرائيل على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، فإن المسؤولين اللبنانيين أبلغوا الوسطاء بالإصرار على إنجاح اتفاق وقف النار والالتزام بمضمونه، وعلى احترام لبنان القرارات الدولية كافة بدءا باتفاق الهدنة، بهدف تحقيق الاستقرار الدائم جنوب لبنان، مشددين على ضرورة دعم طالب الجيش لتمكينه من القيام بمهامه التي نص عليها الاتفاق . وقد تلقى لبنان في المقابل إشادات بما حققه الجيش خلال انتشاره المتواصل منذ أكثر من شهرين في منطقة جنوب الليطاني . وكشفت المعلومات أن رسائل دبلوماسية تلقتها بيروت في الساعات الماضية، تصب في هذا الاتجاه، وتدعو المسؤولين اللبنانيين إلى القيام بمل ما يلزم، من أجل توسيع دائرة انتشار وحدات الجيش، بهدف سحب الذرائع من إسرائيل، ودفعها إلى الانسحاب التام من الأراضي اللبنانية . كذلك كانت هناك دعوات خارجية تطالب حكومة تصريف الاعمال بالضغط على "حزب الله"، لعدم الرد على خروقات إسرائيل، خوفاً على سقوط وقف إطلاق النار، بالنظر إلى عواقب ما قد يطرأ عن هذا الأمر في حال حصوله.
لكن في المقابل، فإن مصادر المعارضة تبدي قلقاً من عودة لغة الاستفزازات إلى الشارع، مع كل ما تحمله من رسائل إلى من يعنيهم الأمر، وما تتركه من انعكاسات سلبية على سمعة لبنان الخارجية، على ما شهدته بعض المناطق في الساعات الماضية . وهو أمر لاقى رفضاً واسعاً من جانب القوى المعارضة التي تعتبر أن ما جرى محاولة لم تعد خافية على أحد، لفرض خيارات "الثنائي" على العهد الجديد، وتحديداً ما يتصل بعملية تأليف الحكومة، وإصرار هذا الفريق على الحصول على خمس حقائب، وفي مقدمها حقيبة المالية . وتؤكد المصادر أن إيران لا زالت تعمل كذلك على تحريك ما بقي معها من أوراق في المنطقة من أجل مصالحها . ولهذا فهي لن تتردد في إعادة الإمساك بالورقة اللبنانية إن استطاعت . ومن هنا يفهم عودة "الثنائي" لفرض شروطه على العهد الجديد، وكأن شيئاً لم يحصل، ما من شأنه أن يضع خطاب القسم أمام تحديات لا يمكن الاستهانة بها، في حال تمادى هذا الفريق في مطالبه وشروطه أكثر فأكثر .