لا يبدو لنا، أن السابع من أكتوبر قد إنتهى، بمجرد توقيع إتفاقية وقف إطلاق النار في لبنان منذ أكثر من شهرين، أو بمجرد الإتفاق على وقف النار، في غزة، منذ حوالي عشرة أيام.
هذان الاتفاقان قد حصلا في عهد بايدن و الإدارة الأميركية الراحلة. أما اليوم، فنحن أمام مرحلة جديدة وعهد جديد وإدارة جديدة، في الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من الخبث الإسرائيلي في هذين الاتفاقين، فإن وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد كشف الفناء الخلفي لهذين الاتفاقين، وهو ترحيل أهالي غزة، وعدم القبول بعودة سكان القرى على ضفتي الليطاني، وليس في جنوبه فقط.
أزاح الرئيس دونالد ترامب الستارة عن هذين الاتفاقين، دون حذر من المزاج الفلسطيني و العربي والإسلامي، والعالمي. أراد أن يمتحن قوة أو ضعف الرأي العام، في جميع أنحاء العالم. أراد أن يمتحن إرادة الشعبين: اللبناني والفلسطيني. وأراد أن يمتحن حماس والمقاومة الإسلامية، ومحور الممانعة. بل أراد أن يمتحن الروس والإيرانيين، الخارجين للتو من التوقيع على إتفاق التعاون العسكري بينهما، وإستراتيجية الدفاع المشترك. بل أراد أن يمتحن دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودول المغرب الغربي، ودول الطوق كافة، وخصوصا: مصر والأردن والعراق وسوريا واليمن.
خبط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يده على الطاولة فور وصوله إلى البيت الأبيض، وقال للعالم: الأمر لي في غزة وفي لبنان وفي أوكرانيا وفي الصين نفسها، وفي دول البريكس، وفي كندا والمكسيك، وفي جميع دول العالم: في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا. هدّد وتوعّد وأمر بقطع المساعدات الرعائية. أمر بالترحيل من بلاده وبالترحيل الفلسطيني واللبناني، بكل جبروت وعظمة.
الوقت الآن للمهلة التي منحها الرئيس الأميركي لإدارته الجديدة، حتى تقوم بتنفيذ الإجراءات اللازمة. طار إتفاق وقف النار، أو هو في الطريق، حين أخذ حزب الله علما، بالفيتو الأميركي عليه، بمقاومة أو بدون مقاومة، بسلاح أو بدون سلاح. قال الرئيس الأميركي، الأمر لي في لبنان... وكفى.
وبإنتظار إتمام عملية تسليم الرهائن في غزة، أو حتى قبل ذلك، أو حتى بعد ذلك، فإن العالم كله على موعد، بالجديد الذي سوف تقدم عليه الولايات المتحدة في غزة وفي أوكرانيا وفي سوريا وفي مصر وفي الأردن، وفي كل مكان من العالم، حيث يطمح الرئيس دونالد ترامب، لنصب عصاه فيه، أو لنصب راية. فعينه عشرة عشرة، على مصالح بلاده وعلى مصالح إسرائيل، في الوقت عينه.
أسس الاتفاقان في لبنان وغزة، لبسط الاحتلال الإسرائيلي، إلى حيث تستطيع أن تصل الذراع الإسرائيلية، من بلاد الجولان وحوران، وحتى الليطاني والأردن ومصر وشاطئ غزة. هذه هي الحديقة الخلفية للاتفاقين، بالمفهوم الإسرائيلي، الذي كشف عنهما بحدثين هامين:
١- تصريح الرئيس دونالد ترامب، عن الترحيل وملاحقه ومستتبعاته.
٢- عودة الطيران الإسرائيلي، إلى عمق الأجواء اللبنانية، بمتابعة أعماله العدوانية، وإعادة الطلب لتموضعات إسرائيل الجديدة والمستجدة، في جنوب الليطاني، حتى ليكاد يبدو، أنها قد نكثت بالإتفاق بكل جبروت وبكل رعونة. وبشروط وقف النار كافة. وبالعودة عما كانت قد وقّعت عليه من البنود. بل جعلت لنفسها وحدها، حق تفسير بنود وقف النار في لبنان، وفي غزة.
الرئيس دونالد ترامب ونتنياهو، وجد كلاهما، ضالتهما في بعضهما البعض. هما الآن يؤسسان معا، لطموحات إمبراطورية جديدة، على ساعتيهما. فهما المحاربان، وهما قاضيا الصلح. وما على العالم، وخصوصا الآن في لبنان وغزة، إلّا السمع والطاعة. وليس بعيدا من ذلك، قال القدماء: «منهومان لا يشبعان: طالب سلطة وطالب مال». فما بالك إذا ما اجتمع هذان الأمران في هذين الرجلين اللذين انتظرا قرابة السنتين، حتى إلتقيا، في البرهة المناسبة، من ضعف العالم.
يصنع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب بعينه، المحور الأميركي الجديد، بدل الناتو وحلف الأطلسي. وهو يوحي بالإنقلاب على جميع الاتفاقيات الأميركية والدولية السابقة. وكتاباته ورسائله وتوقيعاته وأوامره، تكاد كلها تشي بذلك.
وفي المقابل، نرى نتنياهو، يكتب الاتفاقيات بشروطه، ثم يعود وينقلب عليها. ثم يعود ويمحوها بكمّه. فلم تعد تكفيه سوريا ولا لبنان ولا فلسطين ولا غزة، بل عينه طامحة إلى الضفة و الأردن ومصر، كما يهمس لحليفه الأميركي الجديد، الرئيس دونالد ترامب، همسا.
لم تعد المعركة في لبنان وفي غزة، معركة حزب الله وحماس. فما يجري الآن أعظم. إنها المعركة الوجودية التي تفرض فرضا في اللحظة الراهنة، وتتحمّل مسؤوليتها جميع الأجيال غدا.
فليقرأ أصحاب الشأن: دولا قريبة وبعيدة، دولا عربية وإسلامية وعالمية، أن الأمر مع الرئيس دونالد ترامب، ومع رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يبشّر بالخير. وأننا، إنما نحتاج، إلى معركة أجيال، لا إلى معركة حزب الله وحماس، في لبنان وفي غزة. وقد أعذر من أنذر.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية