د. جيرار ديب
في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة، نواف سلام، ينهي زيارته إلى الجنوب مع وفد حكومي دامت يومين، واضعاً إياها ضمن «رسالة طرح المشاريع لإعادة الأعمار بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة»، كانت طرابلس في الشمال، تشهد على نكبة جديدة في منطقة باب التبانة، مع انهيار مبنيين متلاصقين أدّى إلى سقوط 15 ضحية وعدد من الجرحى إضافة إلى تشريد عشرات العائلات.
لم يتوانَ سلام عن عقد اجتماع حكومي، الاثنين 9 شباط الجاري، موسّعاً لمتابعة تنفيذ الاجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس. إذ أعلن على أن «حكومته أمرت بإخلاء كل المباني المهدّدة بالسقوط في طرابلس، وعددها 114 مبنى» مؤكداً على اطلاق خطة عملانية لإيواء العائلات.
قد تكون حكومته قدمت حلّا مؤقتا للسكان يتضمن «تأمين بدل إيواء للعائلات التي يتمّ إخلائها لمدة سنة، تدفع فصلياً»، ولكن القضية تشكّل أزمة بنيوية وليست آنية، فما مصير العائلات بعد انقضاء فترة العام؟ وكيف سيتم التعامل مع الأبنية المتصدعة التي تشكّل قنابل موقوتة مزروعة في كل مناطق لبنان الأكثر فقراً؟ وكيف على دولة يتعدّى دينها العام المئة مليار، أن تكون قادرة على الوفاء في التزاماتها إن لم يكن إلى جانبها دول صديقة تشترط حصرية سلاح يستمرّ حزب الله بالتمسّك به؟
تقديم الاستقالة كما فعل رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لن يحلّ المشكلة، ولا تلك البيانات الاستنكارية التي تخرج من المسؤولين. مشكور راعي أبرشية طرابلس المارونية، المطران يوسف سويف، الذي فتح أبواب جميع المدارس التابعة لأبرشيته لإيواء تلك العائلات، لكنّ الأزمة تحتاج إلى إيواء، وإلى خطوات أكثر جديّة تتعدّى المقررات التي خرجت بها حكومة سلام، فهي تحتاج إلى «صحوة» للوعي الناخب، وهو على أعتاب ثلاثة أشهر من إجراء الانتخابات النيابية، كي لا يعيد إنتاج من كان سبب أزمته اليوم، أو على الأقل كي يمارس حقه في محاسبة من شارك وغطى فساداً تفشّى في مختلف مؤسسات الدولة على مدى عشرات السنوات.
لا يكفي تصاعد الاتهامات بحق النواب والوزراء الحاليين والسابقين لطرابلس ولا التوقف عن تحمّل رؤساء حكومات من أبناء طرابلس. إذ إن المطلوب لا يتوقف عند تقديم الدعم المؤقت، لأنه يحتاج إلى إيصال نواباً يحملون رؤية بنّاءة لتحقيق الإنماء الشامل لطرابلس كما لغيرها من مدن لبنان، لا أن يُعاد انتخابهم كما هو الحال في الانتخابات السابقة، وإلّا ستكون طرابلس أمام كوارث مستقبلية.
انهيارات مبانٍ في شمال لبنان تحتاج إلى «وعي انتخابي»، وأيضاً إلى قرار حكومي جديّ في موضوع «حصر السلاح» وبسط سيادة الدولة على كافة أراضيها. فإن استنزاف الجبهة الجنوبية يومياً، ينسحب على سائر المناطق، على الصعيدين، الأول برفض الدول الإقدام على إعادة الإعمار في ظلّ عدم حصرية السلاح المطلب، والثاني على ميزانية الدولة العاجزة عن إعادة تأهيل طريق عام، فكيف ستقوم بالتزاماتها الأخرى. فمسؤولية الحكومة لا تتجزأ، لهذا عليها أن تعيد ترتيب حضور لبنان في محيطه العربي والدولي، كي تستطيع الحكومة النهوض ببلد يشهد على سلسلة من الانهيارات في المباني وفي المطالب المحقّة، التي تشل عمل الإدارات الرسمية.
«يتخبّط» الواقع اللبناني على وقع خطابين منفصلين لا يلتقيان يتمثل الأول في موقف رئيس البلاد جوزاف عون، والحكومة في موضوع حصرية السلاح، على اعتبار أّن بسط الدولة على كافة أراضيها ليس مطلباً داخلياً وحسب. بل هو مفتاح وضع لبنان على سكة الإعمار، متيقنين بأن هذا البلد لا يمكنه النهوض دون تلقّيه دعم من عمقه العربي. وبين خطاب يتمثل في حزب الله الذي أكد أمينه العام، نعيم قاسم، الإثنين أيضاً في 9 شباط في كلمته المتلفزة، خلال حفل افتتاح مركز لبنان الطبي في منطقة الحدث على إنه رغم استمرار إسرائيل في تنفيذ اعتداءاتها لأكثر من 15 شهراً لم ولن تتمكن في إنهاء حزب الله.
طبعاً، المطلوب ليس تصادم حكومي مع أي مكوّن لبنان، وإن درء الفتنة واجب وطني لا يقل أهمية عن توحيد الصف والخطاب الرسمي اللبناني. فبقدر ما هي واضحة الدول الداعمة للبنان، من عربية وأجنبية، في شرطها المرتبط بمباشرة الدعم مقابل حصرية السلاح، كذلك المطلوب من اللبناني قيادة وشعباً، فاللغة بوجهين لم تعد تفيد، ولم تعد مقنعة في التخاطب الدولي.
«هوة» واضحة بين أفرقاء الداخل، فما قاله الشيخ نعيم دلالة واضحة على ذلك، بين من يجد في السلاح رادعاً لإسرائيل، ومن يجد في التمسّك به رادعاً لإعادة الإعمار ومعرقلاً أمام الدول المانحة. أما شمالاً، فالمعضلة متّصلة انتخابية وتتوقف عند إعادة إنتاج الطبقة نفسها التي سببت هذا الكمّ من الإهمال الذي أدّى إلى انهيار الأبنية ويستمرّ في نقص تقديم الخدمات. لهذا، طالما لبنان سيبقى أسير معضلات بنيوية، ستبقى الحلول التي تقدمها الحكومة آنية تحاكي المشكلة القائمة ولكنها لا تعالج الأسباب الرئيسية لحل الأزمات.