مع دفن الشهيدين الأمينين العامين لحزب الله السيد حسن نصر الله، والسيد هاشم صفي الدين، يبرز إلى الواجهة سؤال ملحّ: ويزداد إلحاحية مع مرور الوقت على معركة «طوفان الأقصى» التي انخرط فيها الحزب «المقاومة الإسلامية» في ما عُرِف بـ «جبهة المساندة» لحركة «حماس» وحركة الجهاد الإسلامي وسائر حركات المقاومة الفلسطينية، وكان ما كان من فصول الحرب والمواجهة: هل دفن الحزب أو سيدفن مع «شهيدين الكبيرين» مرحلة بكاملها، مع ما لها وعليها؟
وبمعزل عن توجهات الحكم الجديد في لبنان، بعد انتخاب الرئيس جوزف عون، وتأليف حكومة الرئيس نواف سلام، التي تنال الثقة بعد غد الأربعاء، لتبدأ مسيرة واعدة، تجاه إزالة النتوءات التي ضربت بنية الدولة، بما في ذلك المسائل الحدودية، من الشمال الى الشرق، وصولاً إلى الجنوب، تطرح جملة انتظارات في ما خصَّ خطة الحزب، في المرحلة السياسية الجديدة في لبنان، أو لجهة مصير المقاومة والعمل المسلح بوجه الإحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس، ونقاط أخرى بما في ذلك مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، والجزء الشرقي من بلدة الغجر في القطاع الشرقي..
شكلت كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم نقاط بدء في مقاربة نهاية أو عدم نهاية حرب «طوفان الأقصى»، في ضوء القرار الاسرائيلي بالإصرار على الإنتقام مجدداً من «حماس»، وكمؤشر على ذلك عدم تنفيذ إطلاق الأسرى الفلسطينيين المتفق عليهم في المرحلة السابقة من المرحلة الأولى من اتفاق التبادل.. والوعيد والتهديد بمعاودة الحرب، مستفيداً (أي القرار) من الخطة الأميركية، التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن لن يفرضها بالقوة، بل بالتفاهم على تهجير الفلسطينيين، مأخوذاً بالعجب من رفض الأردن ومصر للخطة، وقبول إسكان الفلسطينيين المهجرين في أرضهم، مقابل مساعدات مالية!
الحزب على لسان أمينه العام، متمسك بنهج المقاومة، من زاوية «إننا العهد»، ولكن أيّ موقف، وأي منهج وكيف؟
حزب الله، كحزب مقاومة، مسلَّح، بأسلحة صاروخية، ومسيَّرات وألوف المقاتلين ما يزال يحتفظ بمقومات المقاومة.. ولكن ما هي «المتغيرات» الكبرى الهوجاء في الواقع الجغرافي- العسكري والحيوي، بعد أن تراجعت العمليات العسكرية، ووقع الاتفاق على تنفيذ القرار 1701 بالمندرجات المعروفة.
أبرز المتغيرات:
1- الخسارة التي لا تعوض لخسارة المواقع العسكرية المتاخمة للحدود اللبنانية - الاسرائيلي، التي كان يقاتل منها مقاتلو الحزب، ومنها يدافعون طوال أشهر خلت، قبل عملية الدخول البري..
2 - تحوُّل منطقة جنوب الليطاني الى منطقة محظورة عسكرياً على الحزب، لجهة السلاح الظاهر، أو إدخاله، أو الإنطلق من هناك، في اطلاق المسيَّرات أو الصواريخ أو المنصات وغيرها..
3 - الخسارة التي لا تعوض عن فقدان المجال الحيوي السوري، ليس لجهة الإمداد أو التدريب، أو ربط البقاع الشمالي بسوريا من البوابة الجنوبية، امتداداً إلى درعا وحلب وسائر المناطق السورية، ليس من السهل على الحزب، الاستفادة في المستقبل من المدى الدمشقي، بمعزل عن مآل الحكم في سوريا، سواءٌ بإعادة بناء علاقة الثقة وتعاون، مع الادارة الجديدة، أو من يخلفها، وهذا أمر مستبعد الى حدّ كبير، في ضوء الترتيبات التي لا تخفى على أحد في ما خصَّ سقوط نظام آل الاسد، بصرف النظر عن دوره في المواجهة أو غير ذلك..
4 - تأكيد واقع معروف، في ما خصَّ العراق، أنه ليس بوارد الدخول في مواجهات، تأخذه إلى منحى لا يرغب به، خارج التوجه العربي، في ما خصَّ النظرة إلى الصراع العربي- الإسرائيلي.
5 - المسافة البعيدة لليمن، والمسافة البعيدة للضربات الحوثية، التي وإن أدت بعض النتائج، هذا غير موفور في المستقبل، ولو كانت المواقف المعلنة، تشي بعكس ذلك.
6 - وسادسة الأثافي، سير ايران إلى إعادة التأسيس لوضعية لا تأخذها إلى صراع مفتوح مع إسرائيل، من أجل «حق عربي»، حتى ولو كان الأقصى الشريف، أو القدس أبرز المدن المقدسة عند المسلمين..
تتزايد التهديدات على لسان الحرس، أو المراجع العليا، من دون ان تكون ذات مردود عملي، في ضوء الضربات الصاروخية المتبادلة بين طهران وتل أبيب، التي تحظى، وحظيت بدعم هائل من الأسلحة والعمليات الاستخباراتية، وحاملات الطائرات، والمسيَّرات من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، ودول أخرى من الناتو..
هذه بعض المتغيرات، التي تؤسس «لواقع مأساوي» في الجغرافيا، وفي السياسة، وحتى المسارات الاسراتيجية..
من المؤكد ان حزب الله، لدى المراجعة الدقيقة لما جرى خلال السنة والنصف من الحرب، يدرك، أكثر مما ذكر مفاعيل هذه المتغيرات.
وفي اللعبة المحلية، تقفز إلى الواجهة مسألة إعادة الإعمار، التي تعهدت الدولة بلسان رئيس الحكومة بالالتزام والتعهد بها كأولوية لحكومته، فور نيلها الثقة، وتأسيس صندوق إعادة الإعمار، وهذا الأمر يطرح معادلة سالبة: إعادة الإعمار تعني طرد الحرب أو سلب خيارها، أقله في السنوات القريبة المقبلة.
ومع هذه الوضعيات المستجدة التي من الضروري إضافة عدم رغبة الرئيس الجديد للجمهورية العودة إلى الحروب، أو نزوع رئيس الحكومة نواف سلام إلى أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها..
من المؤكد، استناداً الى مخاض المعطيات أن حزب الله يدرك تماماً متغيرات الجغرافيا والسياسة وأسلحة الحرب، والدعم والتحالفات. فهو من المفترض أن يجنح، وإن تمسَّك بالمقاومة كخيار، أن يعيد النظر بأداء ممارسات مرحلة كاملة انتهت، بكل ما لها وعليها.
وإن كانت الوجهة على هذا النحو، فإن على الدولة أن تلاقي الحزب عند منتصف الطريق.. فلا تضحي بتوجهاتها، وبالمقابل، لا تضحي، هكذا، بلا حسابات بعناصر القوة، التي امتلكتها المقاومة او ما تزال تمتلكها..
هذه المقاربة، تساعد حزب الله على العودة الى نظام تكيف مع الوقائع الجديدة، في الواقع الشيعي المأساوي، كما تساعد الدولة على استعادة دورها في البناء والاعمار، واستعادة قرار الحرب والسلم.