بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 تشرين الثاني 2025 12:05ص مفارقة «القول بالطائف... والسير خلافه» (2/2)

حجم الخط
د بلال اللقيس*

في الوقائع الداخلية؛ الأداء السياسي اللبناني الداخلي:
بمعزل عن الخلفيات (ان بخلفية التطمين ونزع الهواجس أو لمصالح آنية وحسابات سلطوية قصيرة أو لخفض التوتر وعدم الانجرار إلى الفتن أو بخلفية الحرد والنكاية السياسية)، بمعزل عن هذه الخلفيات فانّ مسارنا العام كلبنانيين كان ارتدادا عن مقاصد الطائف ونصه وليس فقط روحه.
- الطائف جهد لضرورة استبانت معالم الدولة فحرص على تجميع الكيان اللبناني الذي فرّقه الاقتتال البيني والكانتونات، ثم هدف إلى خفض الهواجس واستعادة مسار الثقة. لكّن تقدّما بطيئا جدا حدث (بعد أكثر من ٣ عقود) في عملية بناء دولة المؤسسات أو الدولة الوطنية وبقي القلق الداخلي ولم تتوقف الحروب الخارجية على لبنان بأشكال مختلفة عسكرية وغيره بل استعرّت منذ عام 93.
- وأعطى الطائف لِـ «الراعي» حق التفسير عند التباين، فالراعي هو المفسر، لكن بعد انهيار سوريا واختلال الميزان العربي - العربي صار الدستور عبارة عن وجهة نظر وليس حاكما بل حتى مقدمته صارت كذلك.
- والمراقب للإمبراطورية الأميركية سيرى انها دعمت صيغة الطائف حين احتاجت لها في سياستها الإقليمية لذلك ومع تغيّر استراتيجيات أميركا لم تعد ضنينة على الصيغة ولا تمانع من بدائل تلبّي هدفها المركزي القائم على تحقيق توسّع الكيان الصهيوني وليس فقط ضمان أمنه كما في الماضي (تاريخيا كان الهدف الأميركي ضمان أمن الكيان أما اليوم فصارت سياساته لخدمة إسرائيل الكبرى).
- والطائف قام على العداء لإسرائيل وأحقية مقاومتها بينما تسير السلطة اليوم إلى التطبيع (شبيه لما قبل الطائف). وهي تسعى لتجريد لبنان من أي قدرة بوجه العدو (من سلاح وثقافة وسياسات) ولا تراها تقدّم أي رؤية للحماية والأمن الوطني.
- والطائف أكد موقع لبنان من الصراع فلم يفترضه حياديا بينما نرى اليوم ان الحكم يحيّد نفسه عن تحرير أرضه ولم يفكر يوما بأن يجرّب فعل التحرير كما بقية الدول.
- والطائف تحدث في الحكومات الممثِلة بينما تسير الأمور إلى حكومات التكنوقراط أو التكنو-سياسي تمهيدا للتكنوقراط بدل الحكومات السياسية. ومن أوجه مخاطر الحكومات غير الممثلة هذه انها قد تلجأ لممارسة إفك سياسي تاركة الأزمات مفتوحة والتبعات على المجتمع بعد رحيلها.
- والطائف ارتكز إلى الطائفة كقاعدة انتظام بينما السياسات الأميركية سعت لكسر ذلك باعتماد مقاربة «إنهاء السياسة» كون السياسة تضطلع في تحديد الذات والهوية والآخر والعدو والصديق والدفاع فعمدوا لطغيان الاجتماعي على السياسي والجزئي على الكلي، وظهر ذلك جليّا في نموذج المجتمع المدني وكتلته البرلمانية.
- والطائف الذي ذكر ان لبنان جمهورية ديمقراطية واقتصاده حرّ وإذ به أقرب لوصاية وانتداب أميركي فجّ لا عربيا فقط. أما اقتصاده فصار موجّها ومحددا باتجاه معيّن لا يُقبل تجاوزه بل يمنع. فهو مرهون باتجاه واحد نحو الغرب ومن يرضى عنه الغرب، وداخليا أموال المودعين تحكي قصة نموذج اقتصادي عمق الاستقطاب برعاية السياسات الحكومية والمؤسسات الدولية وتحت نظرها، ويبعد الاقتصاد الإنتاجي لصالح الريعي.
أما ديمقراطيته اليوم، فنافذة بحدود ما تريده أميركا. نحن أمام دولة ممنوع عليها بناء القوة واختيار مصادرها بما يناسبها. بلد مسلوب حقه في الدفاع عن نفسه أو حتى الاستفادة ما أمكن من عوامل قوته بوجه عدوه (ان كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية أو أي شيء)، بل ويمنع عليه استكشاف بحره واستخراج نفطه.
أما أغلب الأحزاب فهرمت وفقدت جاذبيتها وقدرتها وتستمر باللعب على جزئيات هنا وهناك إلى ان وصل ببعضها الحال ان ساوى بين العدو وبين أكثر من نصف الشعب أي مجتمع المقاومة.
وصرنا أمام مفارقة حادّة بين المشروعية والشرعية (القانونية)، وباتت أي محاولة لعطفهما وصولا لمطابقتهما هي تهديد للصيغة اللبنانية أو ضربها.
- والطائف الذي افترض لبنان ديمقراطية توافقية يسير ليفقد هاتين الخاصتين الجوهريتين، فابتعدت الديمقراطية عن المساواة الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية (وهو الأخطر) فصار لنائب واحد في البرلمان ضعف أصوات كتلة حزب آخر، كأنّ الديمقراطية تحيا في ظل افتراق حادّ مع المساواة!
- والطائف الذي نحا لتوسيع الدائرة الانتخابية باتجاه المحافظة وصولا للدائرة الواحدة نرى السير الذي سرناه كان لتضييقها، ما جعل النائب ممثلا دائرته ومغذّيا لهواجسها بدل أن يكون مشذّبا لها وممثلا لمصالح الشعب كله.
والطائف الذي قام على ركيزة الطائفة ثم دمجها التدريجي (دون تذويبها في بنية النظام) مغبة أن لا تسير مستقلة عن الدولة وبموازاتها يواجه اليوم ترنّحا في المقاربة فالخارج وبملاقاة من بعض الداخل مستعد أن يدفع بأي تعديل إذا حقق له غايته السياسية لإضعاف خطاب المقاومة وضرب الوحدة والإستقرار وهما الرصيدان المتبقيان لنا كلبنانيين الى جانب المؤسسة العسكرية الوطنية.
- والطائف نوّه بعروبة لبنان، لكن مع الاضطراب الهوياتي الذي تعيشه غالب الأنظمة العربية، كيف نعرف حال ذاك العروبة!!. مصر والجزائر والعراق أم الإمارات والبحرين والمغرب!! عروبة الشعوب أم عروبة الأنظمة؟ عروبة اتباع أميركا أم خصومها؟ الساكتون عن مظلومية غزة أم المنتصرون لها، من يلاقون أحرار العالم بتجريم إسرائيل ويهتفون ضدها أم المتواطئون؟؟ عروبة الحضارة أم العصبية؟!
- أما مسار السلطة في لبنان فكانه يسير لتحوير الحرية عن حرية الإرادة ووصلت النوبة مؤخرا لِـ «حرية التعبير». وجهدت السلطة في لبنان لتجزئة السيادة وتقاسمها وليس فقط السلطة، فالحكم يحاول جاهدا لتفكيك عناصر قوة لبنان وتسليمه للضعف. ويمكن للباحثَ أن يجادل ان ما تسير به السلطة السياسية في لبنان مؤخرا لاستهداف نصف اللبنانيين أي مجتمع المقاومة قد يكون أحد بوابات إنهاء فكرة الدولة من جذورها، فالمقاومة اليوم تمثل آخر الحقائق الجوهرية لتوكيد السيادة واعتناق القيم العمومية وحفظ التنوّع والاختيار الحر.
- أما الحوار كمنهج وفلسفة للبنان، فعمليا أنهته السلطات في لبنان بل لم تجرّبه، الشعب يطلبه ولا يحصل عليه، وتغيب الحكومات عن إنتاج آليات وصناعة ثقافة الحوار لا سيما في القضايا المصيرية. وهنا يمهّد أحد أشكال الخطر: إذ مع تراجع مسار الحوار كآلية وثقافة فديمقراطية الأكثرية ستتقدم. حينها ستكون اما أمام صراع داخلي أو الاحتكام لقاعدة ما حتى لو كانت غير مرغوبة، وستكون حينها الأكثرية هي الملاذ! لذلك لا يجب أن نقارب الأمور بغير الحوار والجدّ فيه وإلّا نكون ممن يسهم بإطاحة صيغة لبنان بمهاراة وخفّة من بعض زعاماته وضيق أفقهم.
بعد كل الذي تقدّم وغيره الكثير، أين نحن اليوم من العقد السياسي والجمهورية الثانية باعتباره أحد الثوابت النسبية في لبنان، وكيف يجب أن نسير بين التيارات والنظرات المتباينة لحد التناقض للواقع والمرتجى منه؟
فإذا تذكّرنا انّ لبنان الذي ولد في خضم الحرب العالمية الأولى، وصيغ عقده الاجتماعي عام ٤٣ في خضم الثانية وتوزع مصالح القوى الدولية، فالخشية كل الخشية ان الحرب العالمية التي تدور رحاها اليوم ستحدّد صيغته وعقده الجديد ان نحن خضعنا لمنطقها غير الحضاري وغير الأخلاقي ولم نبحث بجدّ في عناصرنا الذاتية.
لذلك ان مجاراة ما يعمل عليه الخارج الغربي وركوب موجته يعني فعليا الانتقال عن جادة الطائف بكل ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة وخطيرة على لبنان واستقراره. ناهيك ان ما تم ملاحظته بالاستقراء لسلوك السلطة وبعض القوى والأحزاب يشير اننا نبتعد بقصد أو بدونه عن الطائف دون وضوح ورؤية للتالي، وهذا ما يدفع للخشية أن نخسر ما بين أيدينا ولا نكسب بديلا إلّا الوهم وأمانيّ الغلبة.
نعم، ان الاشتباك الحاصل اليوم على الدستور وتعاطي البعض معه على الحبة يستبطن مخاطر ذكرناها مطلع البحث، فتحت عنوان موازين القوى «المادية» التي اختلّت مؤخرا ليس من السوية أن يسارع البعض لتغيير موقع لبنان لنقله إلى ضفة التطبيع مع «إسرائيل» أو لإنهاء حالة المقاومة العميقة والمتجذّرة كثقافة وهوية عند نصف بنيه وأكثر أو الانقضاض على السلاح الذي يراه أهل المقاومة أرقى تجلٍّ لهذه الروح الحضارية والتحررية في لبنان. وليست اللحظة لاستخدام كل الأسلحة السياسية وصولا للصوت الاغترابي لمجاراة الخارج على الداخل لتعديل الموازين وملاقاة العدو باسقاط الشريك متناسيا ان لبنان بني على الصيغة والحوار وليس على موازين القوى فتراه وان التعديل في ذلك عمليا سيعني تجاوز ركائز الطائف وما يمكن أن تنتجه مقارباته من مخاطر.
بكل الأحوال، لا يكفي في الحياة الرغبة والتمنّي بل تحتاج إلى الإرادة والعزم والإصرار وأحيانا التحدّي والثقة بالذات التي لم يجرّبها لبنان الرسمي في تاريخه إلّا لماما!، فلم يبنِ بلد في العالم بالدعة وقصر النظر والبحث عن الأنسب بدل التفتيش عن الأفضل.
اللحظة ليست لسرقة سياسية هنا أو هناك أو مراهنات وأمانيّ، يجب أن نبقي ما بأيدينا ونجرّبه بكامله - أي الدستور - وإذا أردنا أن نطوّر فبالتوافق وليس بالاستعانة بخارج لا يعرف ماذا يريد وكيف يصل إليه ولا بلعبة موازين القوى المتأرجحة كل حين، ويكفينا مغامرات كتب عليها الفشل!!! فليس من العقل القفز من المضمون إلى المجهول، بل الصحيح التزام العقد نصا وروحا ومحدداته رغم كل الذي أحاط به من تحديات في البيئة الخارجية أو السلوك الداخلي المعتور والانطلاق منه للتصحيح بدل نقضه وتجاوزه، والخطر كل الخطر أن نفرّط بأي من عناصر قوتنا وعلى رأسها استقرارنا ونخسر ركائز وعوامل حفظت لبنان ومكوناته وحققت حدّا معقولا من الاستقرار والاستمرار والسيادة والمكانة لعقود، وربما تتيح هذه الركائز لو أمعنا النظر بها فرصا للتطوير والتصحيح والاعتماد على الذات والاستفادة من عالم يتحوّل لاستعادة السيادة والدولة والمصالح الحيوية للبنان.

* باحث وكاتب سياسي