بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 شباط 2026 12:05ص مقاومة من نوع آخر يبديها الغزاويين، فكيف سيتصرّف الإسرائيلي؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

«أرضنا... حتى لو صارت ركاماً»، شعار يجسّد مقاومة فلسطينية جديدة، فكيف سيتعاطى معها اليمين الصهيوني المتطرف؟
منذ إعادة فتح معبر رفح من قبل الجانب الإسرائيلي، تحوّلت رحلة العودة إلى قطاع غزة إلى مسار طويل من الانتظار والتحقيق والإجراءات المعقّدة بهدف العرقلة. ورغم ذلك، تزايد أعداد المسجلين للعودة، في مشهد يثير استغراب العالم، وعضب إسرائيل، في أن واحد.
هذا وكان مسؤول أمني إسرائيلي قال في وقت سابق، إنه «اعتباراً من هذه اللحظة، وبعد وصول فرق بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (يوبام) نيابة عن الاتحاد الأوروبي، فتح معبر رفح الآن لحركة السكان، سواء للدخول أو للخروج».
ويُعدّ معبر رفح مع مصر هو المنفذ البري الوحيد لقطاع غزة من دون المرور عبر إسرائيل، لكنه ظلّ مغلقاً منذ سيطرة القوات الإسرائيلية عليه في أيار 2024، وكان قد أعيد فتحه رسمياً بموافقة رئيس الحكومة الإسرائيلية في 1 شباط الجاري.
عمد الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول عام 2023، إلى تطبيق سياسة مشتركة مع الأميركي تهدف إلى اعتماد التهجير القسري لسكان قطاع غزة، متذرعين بما قامت به حركة حماس من عملية اطلقت عليها «طوفان الأقصى». إذ في حين يحتاجها الإسرائيلي لبناء حلم إقامة دولته غير الموجودة إلّا في أساطير الروايات الصهيونية، يرى فيها الأميركي حلم بناء مناطق ترامب الاقتصادية في خطوة تهدف إلى توسيع السيطرة والنفوذ وتفعيل التضييق على طريق الرئيس الصيني شي جين بينغ، والذي عُرف بـ«الطريق والحزام».
في قمة دول العشرين في نيودلهي في العاشر من أيلول عام 2023، رُسمت الخطة، عندما رفع نتنياهو خارطة توضح مشروع سعي إدارته للشرق الأوسط، وذلك على ضوء التوقيع على ما عُرف لاحقاً بـ«الممر الاقتصادي الهندي»، والذي يأخذ من القطاع وشاطئها نقطة وصل استراتيجي بين الجنوب الأسيوي والعمق الأوروبي.
لم يخجل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إطلاقه مشروع «ريفييرا الشرق» على قطاع غزة، في خطة تعمل على تفريغ القطاع من مواطنيه، وترحيلهم إرغاماً أم إرغاباً إلى مناطق أخرى، من أجل «التفضي» إلى إعادة الاعمار بما يتناسب مع تحويلها لمنتجعات سياحية وموانئ تجارية، ومنصات تستغلّ مواردها تحديداً الغاز الطبيعي، لتصديره إلى أوروبا كطاقة بديلة عن الغاز الروسي المسال بعد فرض العقوبات عليه.
رفضت كل من مصر والأردن الانصياع إلى المشروع الأميركي، وكان لقاء الملك الأردني عبد الله الثاني مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، في 11 شباط عام 2025 الأكثر احراجاً للملك بسبب رفضه المشروع. وهناك من وضع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، في 26 كانون الأول الماضي، على شكل مفاجئ بمثابة اتفاقية مع المسؤولين للتمهيد في إعطاء الغزاويين أرضاً بديلة عن القطاع.
لن يكّل الإسرائيلي في البحث عن أرض جديدة، هو الذي يهدف إلى استغلال التوتر القائم في المنطقة، وارتفاع منسوب التهويل الأميركي في توجيه ضربات على النظام في إيران، لينقض حتى على الضفة الغربية تنكيلاً وتدميراً وقتلاً.
دفن «القضية الفلسطينية» هو الشعار الانتخابي الذي يرفعه نتنياهو في انتخابات الكنيست المزمع إقامتها في 26 تشرين الأول 2026، رغم تبنّي الأمم المتحدة في أيلول الماضي قرار الاعتراف بحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. لهذا لن يوفر الإسرائيلي فرصة إلّا ويعمل فيها على ترهيب الفلسطينيين، وما يقوم به المستوطنون ليس إلّا دليل على تنفيذ سياسة التوسيع الاستيطاني الذي دفع المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان في مؤتمر صحافي في 12 شباط الحالي، إلى إعلان حكومته معارضة بناء مستوطنات جديدة في الأراضي الفلسطينية.
بالعودة إلى مشهدية الغزاويين العائدين إلى غزة والتي تتجلّى على معبر رفح، وضع الفلسطيني حكومة نتنياهو المتطرفة أمام أزمة حقيقية ترتبط بمقاومة من نوع آخر. لكن هذه المرة لم يحمل فيها سلاحاً، ولم يطلق صاروخاً، بل تمثّلت في إظهار روح وطنية عالية، من خلال التمسّك بالأرض.
قدّم الفلسطيني العائد صوره أشبه بـ«السوريالية» إلى الإسرائيلي الذي ينظر إلى إرادة العودة لدى الغزاوي متحدّياً كافة أنواع الارهاب والترهيب. فبينما تسعى تل أبيب إلى تضييق الخناق على العابرين وفرض قيود مشدّدة، يصرّ الفلسطينيون على الرجوع، ولو إلى خيمة منصوبة فوق أنقاض منزل.
«إرادة الصمود والاحتفاظ بالهوية»، هي مقاومة من نوع آخر يحملها كل غزاوي وفلسطيني في لاوعيه الجماعي الذي ترسّخ من خلال تضحيات من سبقه إلى الشهادة للاحتفاظ بالأرض والقضية. كما ويتسلح بوعي عام يتجلّى في إيمانه بأنه ليس وحيداً في مواجهة آلة القتل والترهيب الإسرائيلية، فهناك دول تؤمن بقضيته، على رأسها دولة قطر التي تقدم الكثير على مسرح الإنسانية والدفاع عن حقوق المستضعفين، إضافة إلى شعوب لم تزل حرّة وتنتفض في وجه حكوماتها تطالب بالحرية لفلسطين، لهذا يطرح السؤال «هل سيرتد الإسرائيلي ويتعلم من تجربة حليفه الفاشلة في فيتنام؟ أم سيستمر ليأخذ المنطقة إلى حرب كبرى علّ من خلالها يحقق مبتغاه إن خرج منها منتصراً؟».