من عادة الشعوب أن تستهوي شخصيات بعينها. ترى ما تتأمّله وما تأمله فيها. تجده النموذج المأمون لتجسيد طموحاتها، وأيضا لما يدغدغ أحلامها. ترهن كل حياتها لها، وأنه خير ما يعبّر عنها، وما يستبشر منه. تشعر أن له كاريزما جاذبة. ولهذا ربما، ترها دوما منجذبة إليه، في السرّاء وفي الضرّاء. يتسيّد عليها، كأنه قمرا من أقمارها، أو كأنه قد ملك القلب من قلبها.
لا تحتاج مثل هذه الشخصيات الشعبية الباهرة، إلى جاذبية الزعماء، ولا إلى جاذبية القادة والأمراء والملوك، فهي شخصية عادية جدا، ولكنها في الوقت نفسه، لها من السحر على جمهورها، ما يجعلها ملكا عاما له، بحيث يتنازع الجمهور عليها، إن كانت غائبة عنه، وإن كانت حاضرة.
وسرعان ما تتأسطر صورتها في الوعي الجمعي، ويصير الجمهور من أتباعها، إن كانت خاسرة، وإن كانت رابحة، تحلّ الصورة في غيابها، وتصير تعبيرا دائما عن معنى الولاء، وعن معنى الفدية والفداء. تصير إلتماسا لمعنى الكرامة ولمعنى الحياة، ولو في سجون الحياة.
صنع دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لنفسه «رجلا ملكا» في ثوبيه، ولكنه من أبناء الشعب لا من سلالات الملوك، ولهذا كان سلطانه عظيما على قلوب ناسه وجمهوره وجميع معارفه، من أصدقاء ومن خصوم على حد سواء. يحار المرء أن يصف مثل هذه الشخصية الخارقة والحارقة، فسوسيولوجيا الملوك تند عنه، وكذلك سوسيولوجيا القادة والزعماء والأمراء، ولو أننا نجد في شخصه، ما يشي بالملك، أو ما يشي بالزعيم والقائد والأمير. أخذت شخصيته من كل شيء بطرف، وبلورته على مقاسها، وهذا ما أغرى جمهور «الغلابة والمساكين» به.
من الصعب أن ينسى مثل هذا الجمهور اليوم يتمه، فجميع الصور المستنسخة عن دولة الرئيس الشهيد الشيخ رفيق الحريري كلها، إنما تقصر عن صورته، لأنه باتت صورة أسطورية رائعة، في الوعي الجماهيري، الذي خاطبه وخاطبها.
كان رفيق الحريري مؤسسة متنقلة، سرعان ما تلبّي دعوة الجمهور إذا دعاها. كانت يداه غمامة على معتفيه وعلى قاصديه، «ومن قصد البحر إستقل السواقيا». يطير الحمام من قدامه بشرى، ويحط على رؤوس الأنام، مناديل ملوّحة للسلام، ولا يغادر جمهوره، إلّا وهو يحلم...
إستيقظ اللبنانيون فجأة على ملك بينهم، يسير على قدميه، في الشوارع الضيقة، يتسابق الناس لرؤيته، في كل مرة، كأنهم كانوا على موعد معه. يحمل همومهم معه إلى مخدته، إلى مخدعه، إلى مكتبه. ويستيقظون على حاجاتهم، تصيح عليهم، فيهرعون إليه.
كان رفيق الحريري رجل البرهة، ورجل الحاجة، ورجل الموقف. وكانت التلبية عنده، أسرع من الضوء.
ما عرف عن دولته أنه تلكأ أو تكأكأ، ما عرف عنه أنه تردد، تراه يذهب أبعد من البرق، ومن النسيم على رؤوس الحبق، سرّه أن ليس له إلّا سر واحد: كيف ينجو بلبنان من المهلكة؟
وأما المملكة التي إذا ما جاءها، فهي الكتاب، وهي الجواب، وهي كل ما يملك، ولهذا كان شعوره عظيما أن ملوك العالم، كانوا الدرع له.
خسر لبنان درعه، مذ غاب دولة الرئيس الشهيد. غيابه سجل الرقم القياسي، في كل الحروب عليه. لم يعد يجد من يطير إلى ملوك العالم ويشدّ على أياديهم: يدا بيد. صار لبنان بعده، «لئيم العم والخال»، لأنه لم يعد يجد بعد دولته، من يعطي دوما، ولا يبخل!...