تمكنت دولة إسرائيل القائمة على النزعة العسكرية، الحربية، والمجتمع الذي أقيم على أنقاض منازل الفلسطينيِّين بواسطة الحديد والنار، من تحقيق مكاسب، لا مجال للمناقشة بها، على حركات المقاومة، والدول المساندة لهذه الحركات، سواءٌ في غزة أو عموم الارض الفلسطينية، امتداداً الى لبنان، حيث مُنِيَ حزب االله، وهو رأس حركات المقاومة في المنطقة بما يمكن وصفه بأنه ما يشبه الهزيمة، من دون الانكسار بالكامل،ولئن حافظ على جغرافيته وشعبيته في بيئته المخصوصة، اي البيئة الشيعية، امتداداً إلى جزر سنية محدودة، وبلا غطاء أو عطف مسيحي أو حتى درزي، فإن قاعدة شعب وجيش ومقاومة خرجت من البيان الوزاري، ومن التداول الرسمي والحكومي، وإن بقيت بعض الألسن، غير المدركة لحكم الزلزال، الذي ضرب محور الممانعة من البحر الاحمر (اليمن) إلى الساحل الشرقي للمتوسط من رأس الناقورة إلى أحواض الاوزاعي ومرفأ الصيادين، تلهج عن دراية أو غير دراية بمعزوفة الالتفاف حول المحور وأطرافه..
تحظى حركات المقاومة بعطف لا يخفى على الجملة، وتشكل مسيرات تشييع الشهداء أدلة على هذا العطف والمواساة..
المسألة، تتعلق بالاختلالات في الموازين العسكرية، منذ قيام دولة الاحتلال في السنوات التي سبقت الخمسينات من القرن الماضي، بدءاً من حرب النكبة التي أدت إلى تراجع قوات الجيوش العربية، والذهاب إلى اتفاقيات هدنة على الجهات المحيطة «بالكيان العربي الناشئ» بتحول اسرائيل إلى دولة مع اعتراف الأمم المتحدة بها، على أنقاض طرد الفلسطينيين العرب من ديارهم، وإحلال القطعان الاسرائيلية مكانهم، وحصل ذلك في بنية دولة الانتداب الكبرى بريطانيا العظمى.
من حرب النكبة إلى حرب النكسة في 5 حزيران 1967، كان التفوق بالطيران الحربي عنوان إلحاق الهزيمة بالجيوش المصرية والاردنية والسورية، عندما تمكنت الطائرات الاسرائيلية عند فجر ذلك اليوم المشؤوم من تدمير الطائرات الحربية على أرض عند الفجر.. وانتهت الحرب بخسارة العرب لسيناء (100 كلم2). والضفة الغربية (ما لايقل عن 5 آلاف كلم2) وغزة، والقدس الشرقية، امتداداً إلى الجولان السوري.
كانت الولايات المتحدة حلّت مكان بريطانيا في المناطق التي كانت خاضعة إليها بموجب سايكس - بيكو، وبرز الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى، في ميزان قوى جديد يحكم الصراعات الدولية، ويضبط ايقاعاتها، وفقاً لمصالح القوتين الجبارتين، على رأس معسكرين هما: المعسكر الغربي الرأسمالي الامبريالي والمعسكر الشرقي الشيوعي، على مستوى القطبية الاممية، وعلى رأسها موسكو، فضلاً عن حركات التحرر الوطني، والبلدان المستقلة أو دول عدم الانحياز، ومن بينهما مصر جمال عبد الناصر إلى جانب شوان لاي عن الصين، وتيتو عن يوغسلافيا وسوكارتو عن اندونيسيا وآل نهرو عن الهند..
خسرت الجيوش العربية الحرب للمرة الثانية، وتوسعت مساحة الارض المحتلة، وجاء القرار 242 الصادر عن مجلس الامن الدولي بمطالبة اسرائيل بالتراجع إلى حدود 4 حزيران، ومجمل النصوص القانونية التي أثارت لغطاً من أن يؤدي القرار إلى أية مفاعيل، سوى وقف النار..
كانت حرب اوكتوبر (6ت1) 1973، اختباراً لقدرة الجيوش العربية، على إرغام العدو (اي اسرائيل) إلى التراجع عن الارض العربية المحتلة في العام 1967، وبالمحصلة حققت القوات المصرية انجازات، عبر عبور قناة السويس والتحكم بالملاحة الدولية، لكن الارادة الدولية، قضت بما قضت بتراجع الجيش المصري، وعدم تحقيق تحرير بالمعنى الحربي العسكري..
كانت المفاوضات بعد زيارة الرئيس المصري إلى الكنيست، وخطابه هناك الطريق إلى استعادة سيناء، وتوقيع معاهدة كمب ديفيد، لتتوالى الاتفاقيات مع الاردن، ثم منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق اوسلو لإنهاء الحرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
كانت معركة بيروت في صيف 1982 أول اختبار لقدرة دولة الاحتلال من الناحية العسكرية على إلحاق الهزيمة بفصائل المقاومة، التي كانت أخذت مسمى «القوات المشتركة اللبنانية- الفلسطينية» مع خروج ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الراحل والقيادات العسكرية والعناصر التابعة لحركة فتح وسائر الفصائل الفلسطينية.
دخل «الاسلام النضالي» بعد الثورة الايرانية إلى ساحة «الحرب المقدسة» عبر الإعلان عن تشكيل الفصائل والكتائب التي حددت التحرير والتصدي للاحتلال الاسرائيلي أهدافاً لها..
في حرب «طوفان الاقصى» تمكنت حركة «حماس» من تسديد ضربات قوية لدولة الاحتلال في غلاف غزة، وتمكنت قوات حزب الله ووحدته من «الرضوان» إلى «النصر» وغيرهما من هزّ كيان شمال اسرائيل عند الحدود الجنوبية مع لبنان..
بعدها كان ما كان مما لا حاجة لإعادة التذكير .. واستعادت اسرائيل المبادرة من الجو، لتتحكم بالارض والميدان.. مسجلة أول هزيمة على النحو المكشوف لحركات المقاومة بصرف النظر عن رأس المحور الممانع ودوله!