عمر البردان :
يتعامل لبنان مع المطالب الأميركية بخصوص نزع سلاح "حزب الله" بجدية، لكن في الوقت نفسه لا يجد أنه من مصلحة البلد الانصياع لهذه المطالب في إطار زمني محدد، كما تريد واشنطن التي تدرك أكثر من غيرها، أن تكليف الجيش اللبناني نزع سلاح "الحزب" بالقوة، يقود إلى حرب أهلية، وهو أمر لا يمكن أن يقبل به أي فريق لبناني . ومن هنا فإن الحكومة اللبنانية تتعامل مع هذا الملف بكثير من الواقعية والعقلانية . وهي وإن أكدت للإدارة الأميركية من خلال ما سمعته مبعوثتها مورغان أورتاغوس من كبار المسؤولين، إلا أن التوافق على حل ملف السلاح غير الشرعي، يحتاج إلى مناخات حوار بمشاركة جميع الفرقاء، وهو ما يحضر له رئيس الجمهورية جوزاف عون، في إطار ملف الاستراتيجية الدفاعية التي سيتم بحثها في المرحلة المقبلة، في إطار العمل على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، والامساك بقرار الحرب والسلم . ويحظى الموقف اللبناني الذي يسير بهذا الاتجاه بتفهم عربي ودولي، سيما وأن هناك محاذير على قدر كبير من الخطورة، إذا ما تم التعامل مع هذا الموضوع من منطلق التحدي والقوة . ولهذا فإن لبنان حريص على توفير الأجواء التي تسمح بمعالجة السلاح، بكثير من الهدوء والروية، باعتبار أن استقرار البلد يتقدم على أي اعتبار آخر .
وتبدي أوساط وزارية ارتياحها لحصيلة المشاورات التي أجراها أركان الحكم مع الموفدة الأميركية بخصوص السلاح، لأن الموقف اللبناني كان موحداً، في ظل الدعم العربي والدولي لخطوات السلطة . وتشير إلى أن المسيرة الحكومية عازمة على اتخاذ كل الإجراءات التي تصب إطار دعم المؤسسات واستقلالية القرار، بعدما قال اللبنانيون كلمتهم في رفض كل السياسات التي تتعارض مع مصلحة بلدهم . لكن ظروف لبنان وطبيعة تركيبته، عوامل أساسية ينبغي أخذها بالاعتبار، وتفادي اتخاذ أي إجراء يعرض وحدة اللبنانيين للخطر. وانطلاقاً من هنا فإن أن قطار بناء المؤسسات انطلق بقوة، على طريق إعادة تفعيل أجهزة الدولة، وهي ثوابت حددها بوضوح خطاب القسم . وهذا بالتأكيد سيشكل حافزاً للخارج لتقديم العون والدعم للبنان، وتحديداً على المستوى العربي . وهذا ما يشدد عليه العديد من السفراء العرب أمام كبار المسؤولين اللبنانيين، باعتبار أن. الدول العربية، والخليجية تحديداً تعتبر نفسها معنية باعادة إعمار لبنان، حيث أن الدولة عازمة على الإمساك بقرار الحرب والسلم، على وقع الارتدادات الإيجابية لعملية ترسيخ دعائم بناء المؤسسات، وبسط سلطة الجيش والقوى الشرعية على طول مساحة لبنان .
وإذ كان ملف عودة مؤسسات الدولة للعب دورها على أكمل وجه، إلى جانب البدء بعملية الإعمار، يشكلان أولوية الملفات التي ستبدأ الحكومة بمعالجتها، فإن استمرار احتلال إسرائيل للنقاط الخمس، يلقي بثقله على مجمل التحركات الدبلوماسية للمسؤولين، وهو ما تم إبلاغه للموفدة الأميركية في زيارتها الأخيرة . ولم يتردد المسؤولون اللبنانيون في التعبير أمام أورتاغوس، عن امتعاضهم من عدم قيام الولايات المتحدة بالضغط المطلوب على إسرائيل، من أجل إرغامها على الانسحاب من هذه النقاط . ولا تستبعد مصادر سياسية، أنه في حال حصول تطورات إيجابية على صعيد إمكانية انفراجة في ملف غزة، في ظل توجه أميركي لتحقيق وقف لإطلاق النار، أن يستتبع ذلك إمكانية حصول تدخل أميركي على الملف اللبناني الإسرائيلي، قد يفضي إلى التزام الاحتلال بمضمون اتفاق وقف النار مع لبنان، والانسحاب من النقاط الخمس التي لازال يحتلها، في وقت لا يفوت المسؤولون مناسبة، إلا ويؤكدون خلالها الالتزام بمضمون وقف إطلاق النار، والتمسك بالقرار 1701، داعين إسرائيل للالتزام به، ووقف استفزازاتها ضد لبنان. وهذا ما يجعل اللجنة الخماسية الأمنية أمام تحد كبير لتثبيت اتفاق وقف النار، لأنه من مصلحة الجميع ألا يسقط، بالنظر إلى عواقب ذلك على جميع الأطراف المعنية .
وتعتبر المصادر، أن كلام نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، على ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل، واعتبارها أن "الحزب يشكّل سرطانًا يُعيق تعافي لبنان"، إنما هدفه زيادة الضغوطات على الحكومة اللبنانية، من أجل الإسراع بنزع سلاح "الحزب"، بعدما شعرت أورتاغوس أن هناك صعوبات تحول دون تحقيق هذا الهدف، بعدما أبلغها المسؤولون اللبنانيون بأن الحوار وحده، الكفيل بإيجاد حل لهذه المسألة . وليس من قبيل المصادفة وفي حمأة الضغط الأميركي الإسرائيلي على لبنان بشأن ملف "الحزب"، ما تم الترويج له، عن أن الأخير بدأ في استخدام مسار بحري لنقل الأسلحة إلى لبنان بعد سقوط الأسد والقيود الجوية، وأن فيلق القدس الإيراني قد افتتح "طريقًا سريعًا" لنقل الأسلحة بعيدا عن الأراضي السورية عبر مرفأ بيروت، معتمدًا على عمليات تهريب مباشرة إلى لبنان. وهذا أمر في غاية الخطورة، لما يشكله من مادة تحريضية لدفع إسرائيل، لاستهداف المرفأ، أو العمل على فرض حصار بحري على لبنان . وسيكون ملف ترسيم الحدود البرية، وما يتصل بموضوع الحدود البحرية، محور الزيارة التي سيقوم بها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى سوريا الاسبوع المقبل، حيث سيرافقه وزراء الخارجية، يوسف رجّي، الدفاع ميشال منسّى والداخلية أحمد الحجار.