بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 كانون الثاني 2026 12:10ص من «النظام العالمي الجديد» إلى حروب بلا نهاية

حجم الخط
مطلع عام 1992، وبعد انتهاء عملية «عاصفة الصحراء» وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قيام «النظام العالمي الجديد». ارتكز هذا النظام على نهاية الثنائية القطبية وحلول نظام أحادي القطبية، تكون فيه الولايات المتحدة القطب الأوحد وزعيمة العالم من دون منافسة.
في تلك المرحلة، كانت روسيا تخرج من انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه لتتحوّل إلى دول متفرّقة بعدما كانت كتلة صلبة، ولتجد نفسها في مواجهة أزمات عميقة تحول دون قدرتها على منافسة أي قوة كبرى. أما الصين، فكانت لا تزال في طور بناء اقتصادها وتعزيز قدراتها، من دون أن يُسجل لها اهتمام فاعل بالقضايا الدولية. لذلك، حرصت كل من موسكو وبكين على إقامة علاقات صداقة وتبادل اقتصادي مع الولايات المتحدة، والاستفادة من تفوّقها الصناعي والتكنولوجي. ويمكن القول إن غالبية دول العالم، آنذاك، سعت بطرق مختلفة إلى الصداقة أو التحالف مع الولايات المتحدة.

انحسار النزاعات والاستثناء المشرقي

بعد سقوط النظام ثنائي القطبية، تراجعت حدة النزاعات في مناطق عدة من العالم، فهدأت أميركا اللاتينية والهند الصينية وأفريقيا، وبقي النزاع العربي - الإسرائيلي الاستثناء الأبرز. حاولت الولايات المتحدة تسويته عبر اتفاقات أوسلو، واجتماعات واشنطن وكامب ديفيد بين الفلسطينيين وإسرائيل، إضافة إلى اجتماعات سورية - إسرائيلية برعاية أميركية، من دون التوصل إلى تسويات ثابتة وقابلة للحياة.
أولى حروب المرحلة الجديدة اندلعت في الصومال، الذي شهد عام 1991 انشقاق «أرض الصومال» – القسم الذي كان خاضعاً للاستعمار البريطاني - عن دولة الصومال التي كان معظمها تحت الاستعمار الإيطالي. تدخّلت الولايات المتحدة عسكرياً عام 1993 في الصومال، لكنها فشلت، ثم تركت الأمور تتفاقم من دون حسم النزاع.

11 سبتمبر وبداية الحروب المفتوحة

جاءت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 لتطلق صراعاً أيديولوجياً، سُمّي تارة «صراع الحضارات» وطوراً «الصراع مع الإسلام السياسي»، وتجلّى في «الحرب على الإرهاب» التي بدأت بعد تلك الهجمات ولم تنتهِ حتى اليوم. ثم جاءت حرب «تحرير العراق» عام 2003 لتخلق واقعاً مأساوياً في المشرق العربي، عبر تدمير الدولة العراقية وضرب مؤسساتها ونسيجها المجتمعي.

الربيع العربي: تغيير من دون قطيعة

اعتباراً من أواخر عام 2010، ظهر «الربيع العربي» كظاهرة غير مسبوقة في العالم العربي. وكان الدعم الأميركي السياسي والإعلامي لتظاهراته واضحاً في أكثر من دولة. وجالت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون على المتظاهرين الذين غلب عليهم الطابع الإسلامي، وخصوصاً من جماعة «الإخوان المسلمين». سقط زين العابدين بن علي في تونس، وهو حليف للولايات المتحدة، وحلّت مكانه سلطة حليفة أيضاً. ثم تتابعت السقوطات: حسني مبارك في مصر، معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن. أما في سوريا، فتحوّلت التظاهرات إلى حرب أهلية عنيفة شهدت تدخّل إيران وحزب الله وتركيا والولايات المتحدة وروسيا ودول أوروبية وخليجية، إلى أن سقط النظام في أواخر العام 2024. واللافت للانتباه أن القاسم المشترك في هذه التحوّلات - باستثناء الحالة السورية – هو أن السلطة الراحلة والسلطة الآتية كانتا، في الحالتين، حليفتين للولايات المتحدة.

حروب الحلفاء

تبرز هنا ظاهرة لافتة للانتباه وصفها الرئيس دونالد ترامب في حملاته الانتخابية بـ«الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط». فالحرب في ليبيا مستمرة منذ نحو 15 عاماً، وكذلك في اليمن، وفي السودان، وفي العراق بأشكال متعددة، وفي سوريا، إضافة إلى النزاعات بين الأكراد وتركيا. ولعلّ المفارقة أن معظم أطراف هذه الحروب هم من حلفاء الولايات المتحدة، باستثناء أنصار الله الحوثيين في اليمن الذين يعلنون عدائهم الصريح لها. هنا، يحق لأي مراقب أن يتساءل: ألا تستطيع الولايات المتحدة وقف قتال بين حليفين؟ في السودان، تسبب القتال بنزوح أكثر من 14 مليون إنسان، ووقوع مجازر ومجاعات، برغم أن طرفي النزاع حليفان لواشنطن. وفي ليبيا، يتقاتل شرق البلاد وغربها، وهما أيضا حليفان للولايات المتحدة. وكذلك الحال بين الأكراد والأتراك، وبينهم وبين النظام السوري الجديد، وجميعهم من حلفاء واشنطن، برغم تعدد النزاعات بينهم. ويضاف إلى ذلك الصراع غير المباشر في جنوب اليمن بين المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات والمجلس الرئاسي المدعوم من السعودية، وهما حليفتان للولايات المتحدة.

حروب الأعداء

يبقى النزاع العربي - الإسرائيلي القضية المركزية في المنطقة العربية، والقضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين. وبرغم توقيع دول عربية معاهدات سلام مع إسرائيل (مصر والأردن والسلطة الفلسطينية)، وانضمام دول أخرى إلى اتفاقات «أبراهام» التطبيعية، فإن المقاومة الفلسطينية المسلحة ما زالت مستمرة. ولا تزال حرب «طوفان الأقصى» مشتعلة، سواء في غزة أم في الضفة، وإن خفّ زخمها في ضوء مؤتمر سيناء وما أطلق من ديناميات تتعلق بمستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية! أما حزب الله في لبنان فهو في حالة عداء مستمر مع إسرائيل، وكذلك إيران التي تعتبر، منذ ثورتها الإسلامية، إسرائيل عدواً رئيسياً، وتدعم حركات المقاومة الفلسطينية، برغم الطابع المذهبي المختلف. وإذا كانت الحروب بين الفلسطينيين وإيران وحزب الله من جهة وإسرائيل من جهة أخرى تستند على عداوة ومطالبة عربية بالحق الفلسطيني فيما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل في مواجهة أعدائها، فإنه من غير المبرر ألا تتخذ الولايات المتحدة إجراءات لوقف الحروب العبثية بين حلفائها ومعظمها تنافسية على السلطة، بل تذهب الى دعم الفريقين المتقاتلين أو المتنافسين كما هو الحال بين السعودية والإمارات وبين فريقي النزاع في السودان وليبيا وبين الأكراد والأتراك.

حروب الأصدقاء

أما «حروب الأصدقاء»، فتمثلها بوضوح المواجهة الأميركية - الأوروبية حول جزيرة غرينلاند. تريد الولايات المتحدة شراء الجزيرة أو ضمّها بالقوة، ما أثار حفيظة الأوروبيين، شركائها في حلف شمال الأطلسي. وقد عبّر رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر عن هذا التوتر بقوله: «أن تكون تابعاً سعيداً شيء، وأن تكون عبداً غير سعيد شيء آخر». وما طرحه بارت دي ويفر يُردّده أكثر من مسؤول أوروبي: ‏هل هناك شراكة متكافئة بين أوروبا وأميركا ‏أم تبعية تُفرض علينا باسم الأمن أو القيم أو النظام الدولي؟ الأمر ذاته ينسحب على كندا، التي رفضت مطالب ترامب بضمّها واعتبارها الولاية الـ51، وردّت بخيارات سياسية وعسكرية غير متوقعة، شملت الانفتاح على الصين والاستعداد لسيناريوهات مواجهة غير متماثلة.

الخلاصة

إذا كان العداء للولايات المتحدة يجرّ عقوبات وحصاراً وتدخلات مباشرة، كما جرى في فنزويلا، وكما يمكن أن يحصل مجدّداً مع إيران، فإن التحالف معها لا يخلو بدوره من أثمان باهظة: حروب لا تنتهي، أو تفريط بالسيادة، أو تحويل الحلفاء إلى أوراق مؤقتة. وربما تختصر عبارة ترامب عن الأكراد - بعد تضحياتهم الكبرى لا بل الإستثنائية في قتال «داعش» - جوهر هذه العلاقة، حين قال إنهم «كانوا يفعلون ذلك من أجل أنفسهم أكثر مما كانوا يفعلونه من أجلنا»، وأضاف: «على الرغم من إعجابي بالأكراد، إلّا أنهم تلقّوا مبالغ طائلة من المال، وحصلوا على النفط وأشياء أخرى»!