منذ نكبة عام 1948، شكّل الوجود الفلسطيني في لبنان أحد أبرز القضايا التي أثّرت على المشهدين السياسي والأمني في البلاد. ومع مرور العقود، تداخلت هذه القضية مع الاعتبارات الإقليمية والصراعات الداخلية اللبنانية، لتتحوّل إلى إشكالية معقّدة تمثلت خصوصاً في ملف «السلاح الفلسطيني»، سواء داخل المخيمات أو خارجها. هذا السلاح الذي نشأ بداية كوسيلة دفاع عن الذات وحق العودة، أصبح لاحقاً طرفاً فاعلاً في معادلات الحرب والسلم، داخل لبنان وخارجه.
من النكبة إلى اللجوء: البداية الصامتة
البداية كانت في أعقاب نكبة 1948، حين لجأ الفلسطينيون إلى لبنان هرباً من المجازر والاحتلال الإسرائيلي. استُقبلوا في البداية كضيوف مؤقتين، على أمل العودة السريعة، لكن هذه «الضيافة المؤقتة» تحوّلت إلى إقامة طويلة الأمد لم تنظمها الدولة اللبنانية على نحوٍ يضمن الحقوق المدنية أو الاقتصادية للاجئين. ومع الوقت، تكرّس وجودهم في مخيمات هامشية فقيرة، محرومين من العمل والتملّك، ما أسّس لتوتر اجتماعي ظلّ كامناً لفترة طويلة.
رغم الطابع المدني لهذا الوجود في بداياته، فإن الهزيمة العربية في حرب حزيران 1967 وتنامي العمل الفدائي الفلسطيني سرّع من عسكرة المخيمات في لبنان، خصوصاً بعد انتقال ثقل منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان إثر طردها من الأردن عام 1970.
اتفاق القاهرة 1969: الاعتراف
بالسلاح وتنظيمه
شكّل اتفاق القاهرة عام 1969 نقطة مفصلية في مسار السلاح الفلسطيني في لبنان. وُقّع الاتفاق بين قائد الجيش اللبناني آنذاك إميل البستاني ورئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، برعاية مصرية. وقد أعطى الاتفاق شرعية جزئية لوجود الفدائيين الفلسطينيين وسلاحهم داخل المخيمات وفي بعض المناطق الحدودية، حيث سُمح لهم باستخدام الأراضي اللبنانية للقيام بعمليات ضد إسرائيل.
هذا الاتفاق، رغم طابعه المؤقت والتكتيكي، أرسى قاعدة سياسية وأمنية لعلاقة مضطربة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. فبينما رأت فيه المقاومة الفلسطينية اعترافاً بدورها «التحرري»، اعتبره الكثير من اللبنانيين تفريطاً بالسيادة الوطنية. كما بدأ منذ حينها ظهور مناطق خارجة عن سلطة الدولة فعلياً، ما أسهم لاحقاً في تفكك السلطة المركزية.
الحرب الأهلية: الاصطفاف المسلّح
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وجدت الفصائل الفلسطينية نفسها طرفاً أساسياً في الصراع الداخلي اللبناني. فقد تحالفت مع «الحركة الوطنية اللبنانية» بقيادة كمال جنبلاط ضد المليشيات المسيحية اليمينية. وقد أدّى هذا التداخل بين النضال الفلسطيني والشأن اللبناني الداخلي إلى تشكّل جبهة عريضة تقاتل ضد السلطة المركزية القديمة، التي كانت ممثلة آنذاك بتحالف اليمين المسيحي وبعض مؤسسات الدولة.
هذا الاصطفاف جرّ على الفلسطينيين في لبنان أعباءً إضافية. فلم يعد يُنظر إليهم كلاجئين فقط، بل كطرف عسكري مشارك في الحرب الأهلية. وازدادت الهوة بينهم وبين بعض المكوّنات اللبنانية، خصوصاً بعد معارك مخيم تل الزعتر عام 1976 ومجزرة صبرا وشاتيلا في 1982، عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.
كما شكّل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ضربة قاسية للوجود العسكري الفلسطيني في لبنان، إذ انسحب مقاتلو منظمة التحرير من بيروت إلى تونس، ضمن اتفاق رعته قوى دولية. لكن ذلك لم يُنهِ ظاهرة السلاح الفلسطيني، إذ بقيت بعض الفصائل على الأرض، لا سيما في الجنوب ومخيمات بيروت، وبدأت تظهر توازنات جديدة مع بروز حزب الله كقوة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ما بعد الطائف: تثبيت الدولة ونزع السلاح
اتفاق الطائف عام 1989 أعاد تنظيم الحياة السياسية اللبنانية، وأكد على ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية. لكنه ترك مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات موضع معالجة تدريجية، فيما تم التغاضي عن السلاح داخل المخيمات، باعتباره شأناً داخلياً «محصوراً».
لكن هذه الازدواجية خلقت مناطق نفوذ للفصائل، خصوصاً تلك المدعومة من قوى خارجية. وشهدت بعض المخيمات، مثل نهر البارد وعين الحلوة، اشتباكات دامية بين فصائل متناحرة أو ضد الجيش اللبناني، ما جدّد المخاوف من تحوّل المخيمات إلى بؤر أمنية خارجة عن السيطرة.
في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اشتداد الأزمة اللبنانية، تجدّد النقاش حول سلاح الفصائل الفلسطينية. وفي خطوة لافتة، جاءت زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان لتؤكد التزام القيادة الفلسطينية بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ورفضها لأي شكل من أشكال التسلّح الفلسطيني خارج القانون.
وأكد عباس في تصريحاته أن «منظمة التحرير الفلسطينية تلتزم بعدم استخدام الساحة اللبنانية لأي عمل عسكري»، مشدّداً على التعاون مع الجيش اللبناني لحفظ الأمن في المخيمات. هذه المواقف عكست إدراكاً فلسطينياً بأن استقرار لبنان يصب في مصلحة اللاجئين أنفسهم، وبأن زمن الكفاح المسلّح من داخل الأراضي اللبنانية قد ولّى.
إن إشكالية السلاح الفلسطيني في لبنان ليست فقط أمنية، بل سياسية واجتماعية أيضاً. فحصر السلاح بيد الدولة لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحسين أوضاع اللاجئين ودمجهم في حياة كريمة تحفظ كرامتهم، مع تأكيد حق العودة. كما يتطلب ذلك مقاربة لبنانية موحّدة لا تستغل الورقة الفلسطينية في النزاعات الداخلية.
لقد أثبتت التجربة أن تسييس السلاح الفلسطيني أدّى إلى مآسٍ للطرفين، وأن الطريق نحو حل مستدام يمرّ عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات، ضمن سيادة الدولة واحترام الإنسان.
* محامٍ – دكتوراه في التاريخ السياسي