بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 تشرين الثاني 2025 12:05ص من ثورة ١٧ تشرين إلى انتخابات ٢٠٢٦

حجم الخط
نعود إلى تاريخ تقديم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته الأخيرة قبل ست سنوات في ٢٩ تشرين الأول ٢٠١٩ بعد احتجاجاتٍ قوية وغير مسبوقة وثورة اندلعت شرارتها الأولى في ١٧ تشرين بعد قرارات الحكومة برفع الضرائب على البنزين والتبغ والاتصالات عبر الإنترنت والواتساب، وما لبثت أن تحوّلت إلى ثورة ضد النظام الطائفي والطبقة السياسية الحاكمة تحت شعار «كلّن يعني كلّن».
طالب الثوار برحيل رئيس الجمهورية، وبإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بعد توالي الكوارث والأزمات في عهد الرئيس ميشال عون، من الفساد المالي والإداري، إلى البطالة والركود الاقتصادي، إلى أزمات المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي. ولم تنجح التهديدات المباشرة التي تعرّض لها الرئيس الحريري من قبل العهد وحلفائه لمنعه من الإستقالة، ولإبقاء الحكومة درعاً لتلقّي الصدمات وحماية مصالحهم ونفوذهم في السلطة. فكان قرار الحريري الشجاع والمسؤول كرجل دولة، إعلان استقالة الحكومة، وتقديم المصلحة العامة للشعب اللبناني على المصالح السياسية والحزبية الضيقة، وحماية السلم الأهلي بعد موجات العنف والاعتداءات التي تعرّض لها المتظاهرون الذين رفضوا الإصلاحات والحوار الذي دعا إليه الرئيس ميشال عون، وذلك بعدما أعطى الرئيس الحريري مهلة ٧٢ ساعة لشركائه في الحكومة لدعم الورقة الإصلاحية التي تقدم بها.
بعد هذه الإستقالة، رفض الرئيس الحريري تكليفه بتشكيل الحكومة العتيدة، وأفسح المجال لتحقيق مطالب اللبنانيين في إعادة تكوين السلطة عبر تشكيل حكومة من اختصاصيين مستقلين وغير خاضعين لنفوذ الأحزاب المهيمنة على السلطة في لبنان. ومع ذلك لم تنجح الثورة في إحداث أي تقدّم حقيقي على صعيد إسقاط النظام الطائفي البعيد المنال، ولا حتى في طريقة تشكيل الحكومات واتخاذ القرارات في مجلس الوزراء. كما أنها لم تظهر أي نتائج فعلية في مواجهة الفساد، والأزمات المعيشية والحياتية، وتدهور الأوضاع المالية والاقتصادية، وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي الذي تبعه انهيارات متتالية في قيمة الليرة اللبنانية، وإقفال البنوك وضياع أموال المودعين. وفي المقابل، نجح الثنائي البرتقالي والأصفر الحاكم في فرض شروطه مجدّداً في لعبة السلطة والطوائف اللبنانية عبر تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل الحكومة وفرض الأسماء والحقائب التي يريدونها على تشكيلته الوزارية. واستمرت هذه الحكومة في الترنّح حتى سقوطها المدوّي بنيترات الأمونيوم وتقديم الرئيس حسان دياب استقالتها بعد رفض دعوته إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، وبعد أيام على انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠.
في مرحلة لاحقة تم تعطيل مهمة الرئيس المكلف، السفير مصطفى أديب، الذي اعتذر بعد شهرٍ واحد على تكليفه بسبب عرقلة تشكيله لحكومة مهمّة وفق المبادرة الفرنسية. وتكرر الأمر ذاته مع الرئيس سعد الحريري الذي اعتذر بعد تسعة أشهر من تكليفه بسبب رفضه لشروط رئيس الجمهورية المخالفة للدستور ولبنود المبادرة الفرنسية. وفي النهاية تم تشكيل الحكومة الرابعة برئاسة نجيب ميقاتي بعد القبول بشروط بعبدا وتوجيهات الإليزيه وتحوير مضمون المبادرة الفرنسية. فشلُ الثورة في تغيير قواعد اللعبة الحكومية وعدم توحّدها، والتعددية السُّنية المشتتة التي أفرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة التي لم يشارك بها الرئيس الحريري بسبب تعليقه العمل السياسي، وظروف تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، أكّدت هذه الأمور جميعها على فشل السياسيين في لبنان في ملء الفراغ الكبير الذي تركه الرئيس سعد الحريري على مستوى كل لبنان. وبوجهٍ خاص فشل الثورة والسياسيين من الطائفة السنية تحديداً في تظهير قيادات سنية جديدة قادرة على إعادة الإعتبار إلى موقع رئاسة الحكومة من جهة، وإعادة التوازن السياسي بين المكونات الوطنية من طوائف وأحزاب وقوى تغييرية ومجتمع مدني من جهةٍ ثانية.
إن وهم تعدد الأقطاب داخل الطائفة السنية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان قد سقط سريعاً بعد انتخابات ٢٠٢٢ التي أفرزت مجلساً نيابياً مفكّكاً، وفاقداً للتوازن السياسي، ومنزوعاً من القيادة السنية والوطنية التي كان يمثلها الرئيس المعتدل سعد الحريري. ولم يختلف الأمر في العهد الحالي مع تكليف القاضي نواف سلام بتشكيل الحكومة بشكلٍ مفاجئ، وبعد ضغط خارجي فرض تسميته على النواب، وأدّى إلى انقلاب كبير في نسبة التأييد التي كانت تميل لمصلحة إعادة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي في مواجهة مرشح المعارضة النائب فؤاد مخزومي الذي انسحب لصالح ترشيح نواف سلام. وقد جاء تكليف الرئيس سلام بتشكيل الحكومة بصفر صوت شيعي بسبب الطريقة التي فُرض بها، والتي وصفها الثنائي الشيعي بعملية خداع وانقلاب على التفاهمات السابقة، لا سيما مع إسراع رئيس الجمهورية بإجراء الإستشارات النيابية الملزمة، وعدم منح النواب والكتل النيابية فرصة كافية للتشاور ولمحاولة التوافق على شخص الرئيس المكلف، وكذلك بعدما رفض فخامة الرئيس تأجيل الإستشارات مع نواب الثنائي الشيعي حركة أمل وحزب الله. النتيجة: تكليف الرئيس نواف سلام بدعم خارجي، وليس بحيثية شعبية وثقل برلماني حقيقي لا يجعل منه قطباً سنياً وزعامة سياسية قادرة على تحقيق التوازن مع باقي المكونات الوطنية.
لا شك أن مستقبل لبنان لا يتوقف على أي شخص أو زعيم سياسي مهما بلغت قوته وشعبيته. وصحيحٌ أنه لا أقطاب سُنّية متعددة في غياب الرئيس سعد الحريري، إلّا أن الرئيس الحريري نفسه، ومن باب تحمّله للمسؤولية، أقرّ في خطاب عزوفه عن الترشح لانتخابات ٢٠٢٢ وتعليق عمله السياسي، بأنه لم يكتب له النجاح الكافي في تحقيق حياة أفضل للبنانيين كما نجح في منع الحرب الأهلية. وكما كان يقول الرئيس الشهيد رفيق الحريري: «ما حدا أكبر من بلده». وما يمرّ به لبنان في السنوات الأخيرة يطرح أسئلة عديدة، ليس فقط على مستوى التوازن الوطني والاستقرار الداخلي والانتخابات النيابية المرتقبة في عام ٢٠٢٦، بل أكثر حول سياسات المحاور التي أُقحم فيها لبنان والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار. السؤال الآن بات ملحّاً حول التهديد بجولة جديدة وقاسية من الحرب، وفشل الدبلوماسية اللبنانية في إيجاد الحلول والمشاركة في صياغة التسويات الإقليمية والدولية لتأمين الحماية للشعب اللبناني. فهل سيكون هناك دور حاسم للدبلوماسية العربية التي تقودها السعودية ومصر في حماية لبنان وتجنيبه كأس الحرب التي يمكن أن تهدّد وحدته الوطنية وكيانه المستقل؟