بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الأول 2025 12:00ص مهمة عبور التاريخ

حجم الخط
منذ أول الدهر، إجتمعت علينا أثقاله كلها. إجتمعت على بلدنا عواصف الدنيا كلها. كان لبنان ولا يزال مجتمع الغيوم في الشرق. تأتيه مسرعة من أقصى الأرض. تضربه ضربة لازب، حتى لا تقوم له قائمة. ثم إذ هو يعاند قدره، فينهض كطائر الفينيق من جديد. كانت الريح العاتية، ترى في سمائه واحة حرية. فتنزل فيها وتتبيأ الأعالي الشاهقة. تترصد أحوال المنطقة كلها. مع الشواهين والعقبان. ومع النمور والأسود والفهود السارحة. كان لبنان ولا يزال حقا، مرصدا لزلازل المنطقة. فلا تثور ثائرة في الدنيا. ولا تفور أو تغور نأمة فيها، إلا بعد أن تستمزج رأيه. كان أهله جميعا، عصارة «القبضنة». ففي شوارعه نشأت مدارس القبضايات، تدرب الحارات على العصيان. وتلقنهم دروسا في التمرد والتشمير عن السواعد، والهرولة سريعا إلى الثورات. ورفع «القيمات» في الساحات، بيد واحدة، إمعانا في الدلالة على البطولة.
كان المهاجرون كما اللاجئون إليه، يجدون في أنسامه مذاق حرية. طعمها مختلف، عن طعم سائر الحريات التي تعم المنطقة. ولهذا سرعان ما كنا نراهم، يندمجون ويندرجون فيه، ويحملون السلاح كما أبناؤه. ويصبحون من عياله. يصيحون صيحتهم. ويعيشون عيشتهم. وينتظرون معهم إجتماع الغيوم، حتى يعطوا رأيهم. فيسيرون إليها، مسيرة واحدة. يهزون غصن الزمان، ويثيرون الوحوش من وكناتها.
كان اللبنانيون والمهاجرون واللاجئون، يتآخون في السراء والضراء. يعيشون جميعا تحت سقف من الحرية الجامعة. وينظرون إلى الآفاق. ينتظرون وصول الغيمة القادمة. يريدون أن يبيتوا معها في العراء. تستأنس بهم ويستأنسون بها. وتكرّ النجوم من سبحاتهم، فيلتقطونها، معركة إثر معركة.
ما وجدت لبنان في يوم من الأيام مرتاح البال. كانت تشغله دائما هموم الأرض كلها. يظن وحده، أن عليه مهمة عبور التاريخ. ولهذا تراه دائما مشغولا بجمع السلاح. وتفقد غرفة الأسلحة. يحصي جميع أنواعها. يعد على أصابعه العشر بنادقها وعبواتها. ويتأكد يوميا أنها صالحة. فلا يهتم كثيرا بعدها، إذا ما  وقعت الحرب فجأة. لأنه إعتاد أن ينام بين الحروب. وأن يفترش الكهوف: يتزيا بزي القبضايات، ولو كان مثل «شق الكاهن» بعين واحدة. وبيد واحدة.  وعلى رجل واحدة.
يصحو لبنان على قرقعة الحرب. فيهرع إليها حافيا. وبيده رغيف ناشف. وعبوة ماء عزيزة يغمسه بها. ولا تهمه الجاهزية للحرب. لأنه دائم الجهوزية. ولا يهتم كثيرا للتجهيز لها. لأنه يطلق ذراعيه إلى الأعالي، فيأتي إلى داره بالشهب كلها. يكفيه فخرا أن يكون من جنودها.  وأن تشهد له نساؤه. وأن ينادينه من على أسطح القرى. يقلن له: «أبو الحمى». 
لبنان من أهل البطولات. لا يسمع بحرب، إلا أراد أن يكون بطلا فيها. لا تهمه أسعار البطاقات حين يدخلها. ولا يهتم لأزمانها ولا أوقاتها. فالحرب تسيل لعابه، ولهذا نراه يهرول إليها. لأن النصر من عينيه، قاب قوسين أو أدنى. فهو أبدأ: ناصر ومنصور ومنتصر. حتى ولو تعثر في الطريق إليها. 
آخر مزحة جرت معه، مزحة جمع السلاح. قهقه كثيرا لها. فهو يعتقد أن المزاح والسلاح واحد. وتراه يسايرهم ويسير معهم... فهو يعرف مسبقا، أن جمع السلاح إنما هو مزحة قديمة سمجة. يصعّر لها خده. وهيهات هيهات، أن تنال من يده، أو أن تنال يده منها. لأن تسليم الجنوب كله، إنما هو أهون على قلبه من الإستسلام، فتسليم السلاح. فـ«السلاح زينة الرجال». وما قيمة الأرض، بلا رجال، وبلا سلاح. 
لبنان تشغله يوميا مهمة واحدة: مهمة عبور التاريخ. وتراه دائما غير منشغل بغيرها. يُسائل نفسه صباح مساء: كيف يكون ذلك بلا سلاح. ولهذا تراه دوما منشغلا بهم واحد: متى تقع الحرب. فقد أعاد بعد كل هزائمه، بناء قدراته. وصار أكثر إستعدادا لكل هزيمة: يخترع لها الحجج اللازمة. يقهقه في عبِّه، كلما سمع عن الحرب القادمة: يردد على الملأ، بالفم الملآن:«هذا أوان الشد فإشتدي زيم»!