بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 تشرين الثاني 2025 12:00ص مهمة غامضة

حجم الخط
الرسائل التي يوجهها المبعوثون الأميركيون، في كل مكان من العالم، وخصوصا في الشرق الأوسط، إنما هي رسائل غامضة، تقول الشيء وعكسه، وتطلب الشيء وعكسه، وتطلق الدعوات وعكسها.
ولا غرو في ذلك، فقد اعتادت الإدارة الأميركية، أن تمسك بالعصا من نصفها. تقول : إن ذلك من المرونة التي اعتادت عليها، في تطبيق سياساتها.
لا يسعنا أن نصدّق ذلك، إلّا بمقدار النتائج التي ترسو علينا وعلى جميع الدول التي تناوئها، أو تقارعها العصا بالعصا، أو تلك التي تدخل معها في مهادنة.
ترى الولايات المتحدة، أن سياسة الغموض، هي من الذكاء و الكياسة، ولهذا نراها لا تكشف جميع أوراقها المستورة، تحتفظ بها لوقت الحاجة. فظلّها واسع الإنتشار ولهذا تدخّر لكل حالة لبوسها، لا نريد أن ندخل في نقاش عام حول سياستها في العالم كله، وعبر تاريخها الطويل في الأخذ والرد، وفي القيل والقال، لأن مثل ذلك يحتاج إلى مجلدات ضخام.
تظن الولايات المتحدة الأميركية نفسها، أنها من الدهاء بما يكفي، لكي تختبئ خلف إصبعها. غير أن القاصي والداني، صار يعرف مقاصدها، ويعرف ما تريد، وأنها دوما تريد عكس ما تقول، وتقول عكس ما تريد. وهذا لعمري، لم يعد ينطلي على أحد، ولا علينا.
لا نقول هذا الكلام جزافا، ولا من باب التحامل على سياستها، بل من باب وضع الإصبع على الجرح. فجرحنا اللبناني عميق، وهو يحتاج إلى مداوة، لا إلى مداراة، ولا إلى مداورة، خصوصا ونحن اليوم نسمع التصاريح من أفواه مسؤوليها، وكأنهم لا يعرفون بما أجروه علينا، ولا يعرفون أيضا، بما جرى لنا، والناس كلهم يعرفون، والعالم كله يعرف، أنه لا تسقط شعرة من رأس، مهما صغرت أو كبرت، إلّا بإرادة وبمبادرة وكذلك بوحي من «أخيكم عنترة».
لا نريد أن نشهر بتلك التصاريح النارية القاسية التي طالت لبنان بعامة في الأيام الأخيرة الماضية، وكأن أصحابها وصلوا الآن إلينا، وللتو، من الفضاء الخارجي، فهم ينسون أو يتناسون، أن الدولة العميقة عندنا وعندهم واحدة، وأن كل ما حدث ويحدث، إنما هو من نوع الكيد والإيذاء المسكوت عنه من قبل الشعب والحكام، لا فرق، لأنهم يريدون ثمن أتعابهم منا سلفا، و منذ أول الدهر، دفعة واحدة. ولهذا نقول لهم بصراحة: إن ما يعجزكم، فهو بالحريّ يعجزنا، وإن ما تشكون منه باعا، فنحن نشكو منه ذراعا. ولهذا فإن الشكاية بيننا وبينكم مشتركة. فلا تحمّلوننا ما لا طاقة لنا به. وما بيدكم من الأوراق، أكثر بمليون مرة، مما في أيدينا. ولا شيء يفسر تعسّركم بيننا، إلّا لأنكم تسلكون في مهمة غامضة.
دعونا نصارحكم، وأنتم تدعون الحرص علينا، منذ أكثر من مئة عام: فما مرَّ علينا «يوم نحوس»، إلّا وأنتم تدرون به سلفا، إلّا وأنتم تعلمون، بما صنعت أياديكم بنا.
عاش لبنان في ظل السلطنة، كما في ظل الإنتداب أجمل أيامه، وقطف المنجزات على الأرض. كانت طرقاته زاهية، وكانت مصائفه عرائس المصائف في الشرق وفي الغرب، وكان الهدوء، يملأ أرجائه، فلا نسمع بضربة كف. حتى تجبّرتم علينا، وعسكرتم مناطقنا، ودفعتم بالذؤبان، تعتدي علينا. فذاكرتنا قوية، وكل ما جرى لنا، كان من صنع أيديكم، لحسابات النفوذ و«القبضنة».
ونحن نسأل جميع من يأتي إلينا، ليلقي علينا الدروس، في طلب الأمن والأمان: أما كان ذلك من مطالبنا، يوم دستم عليها، ودسستم علينا.
 لهذا كله، نقول اليوم: إن رسائلكم إلينا غامضة، ونحن نخشى أكثر، من مهمات مبعوثيكم الغامضة، خصوصا حين يطلّون علينا من المنابر، بتصاريحهم النارية، التي تعوّدنا عليها. وحالنا كما قال الشاعر:
«مشيناها خطى كتبت علينا/ ومن كتبت عليه خطى مشاها».
فإتقوا الله بنا...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية