يحتدم الضغط الاميركي والاسرائيلي والدولي على الخناق في الداخل اللبناني، والهدف المعلن منع حزب الله من إعادة بناء أو ترميم قواه وبناه التنظيمية والمالية والعسكرية وصولاً إلى استعادة جمهوره، وعدم التفريط بمكانته في البيئة الشيعية – الحاضنة.
ولا حاجة للغوص في آليات هذا الضغط ووسائله، فغالبية الشروط الموضوعية لعمل حزب االله، كجهاز لاعب، في الداخل والخارج هي قاب قوسين أو أدى من الاختفاء، على طول ما كان يسمى بـ «جبهات المساندة» لطوفان الاقصى، ومضت هذه الجهات كل واحدة لترتيب أمورها والتبصُّر بما جرى ويجري في عموم المنطقة، من بسط نفوذ أميركي غير مسبوق، وتراجع روسي وصيني وغربي وحتى أوروبي لمصلحة هذا النفوذ، الذي راح يلعب بالطرائق والادوات نفسها، متعلماً مما سبقه من أساليب هيمنة، وإشغال القوى المحلية بقوى محلية، والبحث عن أدوار لبعض الجماعات الناشئة والحليفة في التدخل لمصالح دول كبرى أو إقليمية كبرى في سياق تسبق ترتيبات جديدة، لمصلحة الأوليغارشية الاميركية التي تتمكن ليس من ادارة الولايات المتحدة وحسب، بل تسعى إلى ادارة العالم ككل، وتسجل تقدماً من افريقيا، حيث يتهاوى الدور الفرنسي الى غزة، حيث أتيح للبريطاني فقط اختيار موظف من ربوعه ليكون مديراً تنفيذياً لخطة ترامب التي حظيت بغطاء كبير عبر قرار مجلس الامن الدولي، وهذا الموظف هو رئيس الحكومة السابق طوني بلير، الشريك العملي لجورج بوش أيام غزو العراق، ويستفيد دونالد ترامب زعيم هيئة السلام في غزة من خبراته وحنكته في تطويع الفلسطينيين والعرب في أي دور يُسند إليه.
في عصر دونالد ترامب، الذي يقترب من نهاية سنة أولى حكم في البيت الابيض، وسائر المقرات الرئاسية العالمية من الكرملين الى الاليزيه، وصولاً إلى بيروت، مع وصول سفيره اللبناني الاصل ميشال عيسى، الذي يعد من بعض اللبنانيين بكل بساطته اللبنانية قبل أن يصبح سفيراً لدولة كبرى، قدمته سفارتها في بيروت، بأنه ذو خبرة واسعة في المال والاعمال والاستثمار في حقل الطاقة فضلاً عن مواهبه الرياضية .
في عصر ترامب هذا، تعاظمت التدخلات الاميركية، لدرجة أنها دخلت إلى ما في الصناديق والجيوب، وصفها نائب لبناني بأنها اقتربت، وبالدرجة من الاختناق بين ضغط الخزانة الاميركية مالياً، وضغط الاحتلال الاسرائيلي عسكرياً.
وفي الخلفية، تعاظم الانقسام الداخلي اللبناني، الى حد أن شخصية ذات وزن من حجم الرئيس نبيه بري، استعانت بفانوس ديوجين (اليوناني) بحثاً عن وحدة وطنية، يهزم بها العدو، أو بأقل احتمال يمنع من تحقيق أهدافه العدوانية، ولم يجدها حتى تاريخه لا على الارض، ولا على الاسطح، ولا حتى في الاجواء المستباحة من قبل طيران وسلاح جو دولة الاحتلال.
في عصر ترامب هنا، لم يسلم الرئيس بري من أساليب «البخ الخبيث» (في اشارة من قبل الرئيس جوزف عون إلى حملات افتراء يقوم بها بعض الوفود التي تسافر إلى واشنطن ضد مسؤولين ومؤسسات لبنانية، لاسيما الاجهزة العسكرية والامنية وهو أول من انتقد أي رئيس الجمهورية هذه الاعمال اللاوطنية! (والتعبير لي).
في الخلفية هذه، أصرّ لبنان على مستوى الرئيسين عون ونواف سلام، بدعم من الرئيس بري، على ترجيح خيار الدبلوماسية وحشد التأييد الدولي لمواجهة الانتهاكات الاسرائيلية، والخرق المستمر والفاضح لاتفاق وقف النار، بموجب القرار الاممي 1701 الصادر عن مجلس الامن الدولي.
ولم يتأخر رئيس جمهورية لبنان عن الايعاز للخارجية اللبنانية أن توعز لبعثة لبنان الدائمة في الامم المتحدة برفع شكوى عاجلة إلى مجلس الامن الدولي ضد اسرائيل لاقدامها على بناء جدار اسمنتي على الحدود اللبنانية الجنوبية يتخطى الخط الازرق الذي تم رسمه بعد الانسحاب الاسرائيلي في العام 2000.
وطلب الرئيس اللبناني إرفاق الشكوى بالتقارير التي صدرت عن الامم المتحدة التي تدحض النفي الاسرائيلي لبناء الجدار، وتؤكد أن الجدار الخرساني الذي أقامه الجيش الاسرائيلي ادى إلى منع السكان الجنوبيين من الوصول إلى مساحة تفوق 4 آلاف متر مربع من الاراضي اللبنانية.
في نزع الخلافات أو تسوية المشكلات بين الدول، ثمة وسائل معروفة – كان أبرزها نشوء المكونات المتعاقبة في لبنان، تارة لمحاربة السوري والفلسطيني (الميليشيات المسيحية) وتارة لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وحتى التدخل العسكري السوري عام 1976، سلاح الاحزاب اليسارية ومنظمة التحرير، أو القوات المشتركة، التي تفككت بنشأة المقاومة الوطنية بقيادة يسارية، قومية، وصولاً إلى نشأة الاحزاب ذات المنبت الديني الاسلامي، وأبرزها «قوات الفجر» التابعة للجماعة الاسلامية، والمقاومة الاسلامية، أو الثورة الاسلامية في لبنان، «حزب االله».
لا حاجة للخوض مطولاً في عرض حيثيات المشهد.. الثابت أن عمليات المقاومة بعد حرب السنتين في غزة تراجعت الى الوراء كخيار استراتيجي في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وغيره من الاحتلالات.. وتحوَّل الموقف من شراكة مع الولايات المتحدة إلى جهود ترامب لتوسيع دائرة الاتفاقيات الابراهيمية، بمعنى اجراء المصالحة التاريخية بين اليهودية، حتى ولو كانت صهيونية، والاسلام، وحتى لو كان أصولياً في يوم من الايام.
ورقة المقاومة لم تتمزق، لكن بلّلت بالماء والدماء لوقت غير معلوم، وخيار الدبلوماسية لا بد منه، منعاً لضياع الحقوق والسكوت عن الاحتلال.
في وقت كسبت فيه التكنولوجيا واسلحة الدمار القاتل الحرب مجدداً لمصلحة التحالف البروتستنتي اليهودي.. ثمة أسئلة واخراجات وطرقات مقفلة أمام المعارضة وحتى الدبلوماسية.