تحوم في أفق العلاقات الداخلية بين ممثلي الطوائف المكوِّنة للمجتمع البشري والسياسي، بكل ترابطاته وتداخلاته، غيوم أزمة دفينة، غيَّرت «حرب الإسناد» التي دخلها حزب الله من هذه العلاقات، في اطار معركة أكبر، هي معركة طوفان الأقصى، التي فجَّرتها حركة حماس الفلسطينية، للحسابات والمصالح التي اعلنتها تباعاً في بياناتها وخطابات قادتها، سواءٌ الشهداء منهم والأحياء، والتي ما تزال قائمة إلى اليوم، في أطول حرب يعرفها تاريخ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وقيام الدولة العبرية..
ثم تحولت حرب حزب الله مع الجيش الاسرائيلي إلى ما يمكن وصفه بحرب «لبنانية - اسرائيلية» أطلق عليها الأمين العام الحالي لحزب الله الشيخ نعيم قاسم اسم حرب «أولي البأس» في اشارة إلى قوة بأس، وصلابة المقاومين الذين دافعوا واستشهدوا عند الحافة الأمامية، أو ما كان يُعرف سابقاً «بالشريط الحدودي»..
سجلت في وقائع الحرب عمليات «كر وفر»، وكانت العلامة الفارقة، خسائر كبرى، مُني بها حزب الله، من ضمن خسائر أشمل، مُني بها «محور المقاومة» أو الممانعة، والذي تلقَّى ضربات استراتيجية، كان أبرزها انهيار نظام الرئيس بشار الأسد، على نحو دراماتيكي، ووصول قيادة جبهة النصرة، التي تحولت إلى هيئة تحرير الشام، وراحت تسيطر تباعاً على المدن والمحافظات من حلب إلى اللاذقية فحمص وتدمر وصولاً إلى دمشق العاصمة..
قامت في سوريا دولة جديدة، معادية على نحو قاطع لإيران وحزب الله، وفصائل «محور المقاومة» بما فيها فصائل تقاتل في غزة اليوم كالجهاد الاسلامي وغيرها..
طُوِّق حزب الله بأحزمة دول معادية وبترتيبات حدَّ من مخاطرها قيام سلطة جديدة في لبنان، رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وحكومة، سعت إلى احتواء «اخفاقات الحزب» أو مصائبه، كما يقال، من ضمن احتواء الطائفة الشيعية، التي تسيطر على «جغرافيا الاضطراب» في لبنان من الجنوب إلى صيدا، إلى البقاع، وخطه الفاصل لبعض البقاع الغربي وزحلة..
دخلت الطائفة الشيعية، بقطبيها السياسيَّين: حركة أمل وحزب الله في الحكومة الجديدة، وقبل ذلك في ترتيبات انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، من زاوية الشراكة، بعد اتفاق وقف اطلاق النار، الذي التزم به حزب الله، على نحو صارم، باعتراف الرئيس جوزف عون، وحتى خصوم الحزب المحليين والاقليميين والدوليين.
أوقف اتفاق وقف النار، عمليات الدمار الواسعة، واتاح لحزب الله ان يلتقط أنفاسه، بعد ضربات مؤلمة اصابت الرأس (القيادة) والجسر (القيادة الوسطى والكوادر العسكرية والمقاتلين) والبنية التحتية (الأسلحة والأنفاق ومنصات إطلاق الصواريخ وغير ذلك).. إلَّا أن اسرائيل، بقوتها العاتية من طائرات ومسيّرات وجيش ودبابات وجرافات وقنابل ومدافع قريبة وبعيدة «تمردت» على ترتيبات وقف النار، واعتبرت ان «حق الدفاع عن النفس» يعطيها المجال لخرق سيادة لبنان، وتسجيل الخروقات اليومية، وملاحقة المشتبه بهم انهم من عناصر الحزب او كوادره العسكرية..
فرضت إسرائيل «إرهاباً» على «مجتمع المقاومة» إذا صحَّت العبارة.. وفيما مضى حزب الله في إعادة ترميم واقعه «المشظى»، مجدداً، يومياً بالتزامه بوقف النار، ومطالباً الحكومة والدولة، بأخذ دورها في وقف الانتهاكات، وتحرير النقاط الخمس، وإطلاق الأسرى، وهي من نتائج وقف النار، وإنهاء الحرب، لم تكتفِ الأصوات في الداخل والخارج من ترداد المطالبة بتسليم السلاح، والمضي في اعطاء تفسيرات للقرار 1701، أبرز ما تضمنت أنه يشمل تسليم سلاح الحزب خارج جنوبي الليطاني.. على قاعدة «سلِّم تسلم»، والتي تتضمن إشارة «حتمية» إلى ان حزب الله مُني بالهزيمة، وكفاه تجبراً وتصلباً، وشراءً للوقت..
تحدث الرئيس عون عن قرار اتخذ بوحدانية السلاح وحصره بيد الدولة فقط.. واعتبر ان التوقيت يعود للحوار الدائر بين الرئاسة الأولى وحزب الله، بمعرفة ووساطة من الرئيس نبيه بري..
مع تفاقم الموقف، الضاغط على الحزب لتسليمه سلاحه فوراً، بطلب من هذه الشخصية المحلية أو تلك، أو رئيس هذا الحزب أو ذاك، دخل بري على خط حسم الجدل، فأعلن بما لا يقبل مجالاً للتأويل أو التفسير أو خلاف ذلك بأن: لا كبيرة لتسليم السلاح الآن..
واشترط بري، بصفته رئيساً لحركة «أمل» ورئيساً للمجلس النيابي، وأرفع شخصية شيعية جنوبية معنية، وكصاحب لليد الطولى في العمل على تحقيق وقف النار.. عندما طلب من الوسيط الأميركي السابق آموس هوكشتاين عدم المغادرة قبل انجاز صيغة لوقف النار، وفقا لولاية القرار 1701..
على أن وقف النار، لا يمكن أن يكون من طرف واحد.. فلبنان وحزب الله التزما بكافة مندرجات تطبيق القرار، وتشهد قوات حفظ السلام «اليونيفيل» على ذلك، وكذلك الدولتان اللتان ضمنتا وقف النار.. والامين العام للأمم المتحدة..
كانت صرخة بري: لن نسلّم السلاح الآن.. تحمل أكثر من رسالة، وبكل الاتجاهات.. لكن الرسالة الأكبر كانت للطرف الأميركي ممثلا بالوسيطة المنحازة مورغن أورتاغوس، التي راجعت حساباتها بأن المسألة تتجاوز التوقيت الاسرائيلي إلى ما يمكن وصفه «بالتوقيت اللبناني» الذي يقتضي وقف الاعتداءات، واحترام القرار الأممي، واطلاق الاسرى اللبنانيين لدى دولة الاحتلال..
وفي الخلفية، أسباب سياسية وتاريخية واستراتيجية وراء رفض تسليم سلاح حزب الله الآن.. نظراً للمخاطر المحدقة..
وبالانتظار، إذا كانت حرب الإسناد موضع مراجعة، في سياق حرب طوفان الأقصى، في ضوء المترتبات الخطيرة، التي أعادت المشهد إلى الوراء لسنوات، في ظل تخلٍ عارم عن الدعم والإسناد من غالبية الأمة والقوى الدولية ذات المصالح مع العرب والمسلمين، فإن المراجعة الشيعية للتجربة قائمة، وبدرجات وعلى مستويات مختلفة، مع تبدُّل المشهد وتبدُّل المعادلة، في التوازن الداخلي، من المعادلة الثلاثية إلى خصوصيات لا حاجة لذكرها، إلى قلب الصورة، وتحوُّل حزب الله إلى قوة تتلقى بعدما فقد دواء كان له..