بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 كانون الأول 2025 12:10ص نبيه بري بين الفلسفة والسياسة: فن التحكّم بخيوط اللعبة اللبنانية

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

في بلد تتراكم فيه الأزمات والانقسامات الحزبية والطائفية القديمة والمستجدة، يبقى الرئيس نبيه بري واحداً من أكثر الشخصيات السياسية ثباتاً في موقعه. من رئاسة مجلس النواب، نسج شبكة واسعة من العلاقات جعلت منه لاعباً أساسياً في كل مواجهة كبيرة عرفها لبنان منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي. فهذا الامتداد الطويل في السلطة مقرون بقدرته على ضبط الإيقاع بين القوى الداخلية والخارجية جعل منه نموذجاً غنياً للتحليل الفلسفي السياسي. إن البحث في شخصية بري لا يتعلق أبدا بالحكم عليه، بل بقراءة دوره بوصفه جزءاً من بنية سلطة لها قواعدها وآليتها في إعادة إنتاج نفسها مما يدفع إلى الأسئلة التالية: كيف استطاع بري أن يحافظ على موقعه طوال هذه السنوات؟ ولماذا يبدو دوره مفصلياً في كل منعطف سياسي كبير؟ لكي نفهم ذلك، لا بد من قراءة تجربته من خلال محطات فلسفية وسياسية متعددة، من ميكافيللي وأبو حامد الغزالي إلى هانا أرندت مروراً بأفلاطون وغيرهم من الفلاسفة. هذه المقاربة الفلسفية لا تقدّم حكماً على الرئيس بري بقدر ما تقدّم بعض التحليل لفهم النظام الذي يعمل فيه، كما وأنها لا تهدف إلى تمجيد أو إدانة بقدر ما تهدف إلى فهم كيف يمكن لشخصية سياسية أن تبقى في السلطة لأكثر من ثلاثين سنة ضمن نظام هش، وأن تلعب دوراً محورياً في بلد يعاني من هذا الكم من الانقسامات.
ميكافيللي- الغاية تبرر الوسيلة: حين كتب ميكافيللي «الأمير»، كان يقصد أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق بل هي فن البقاء. التجربة اللبنانية، بكل تناقضاتها، تُظهر أن نبيه بري أتقن هذا الفن حيث بدّل تحالفات وحالف أخصام سابقين عند الضرورة مطابقاً لنظرية ميكافيللي أن الغاية تبرر الوسيلة. من الحرب إلى ما بعدها، ومن الانقسام بين 8 و14 آذار إلى الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وصولاً إلى التغيّرات السياسية الأخيرة، ظل بري واقعياً براغماتياً في نظرته إلى الأمور، يفهم طبيعة ودوافع القوى، يعرف أين يقف عند كل منعطف وكيف يتحرك تماماً كما أراد ميكافيللي من الأميرٍ الذي لا يسقط مهما إشتدّت العواصف، وهذا يجعل منه نموذجاً ميكافيللاً بامتياز لأنه أثبت أنه سياسي يعرف قواعد اللعبة ويعيد تموضعه مع التغيّرات.
الإمام أبو حامد الغزالي – الترغيب والترهيب: في بداية القرن الحادي عشر وفي مجمع «إحياء علوم الدين – كتاب الخوف والرجاء»، كتب الغزالي عن الترهيب أو الخوف من العقاب والترغيب أو الرجاء في الثواب، كوسائل لإصلاح السلوك وتقويم النفس. مع العلم أن ترغيب وترهيب الغزالي كانت أخلاقية وذلك لتسوية السلوك الداخلي وليس لها علاقة بالسياسة، نرى أن نبيه بري يستعمل الترغيب عبر إستخدام التسويات وتوزيع المكاسب السياسية على المنظومة ومنح أدوار لضمان الإستقرار والتوافق، ويستعمل الترهيب عن طريق تعطيل المؤسسات مثل تأجيل أو تعطيل جلسات المجلس النيابي، التلويح بإستعمال الشارع أو بالشلل السياسي أو الضغط عبر موازين القوى أو عبر الحلفاء.
ماكس فيبر - شرعية من ثلاثة مصادر: يشرح عالم الاجتماع ماكس فيبر في كتابه «الإقتصاد والمجتمع» أنّ السلطة لا تستمر إلّا إذا توافرت لها شرعية. وبالنظر إلى موقع بري نجد أنه يجمع ثلاثة أنواع من الشرعيات التي تكلم عنها فيبر: شرعية تقليدية موجودة حكماً في رئاسة مجلس النواب وهو موقع مخصص للطائفة الشيعية في النظام السياسي اللبناني، شرعية قانونية – دستورية كرئيس منتخب للسلطة التشريعية، وشرعية كاريزمية نتيجة الشعبية الكبيرة التي يملكها داخل بيئته السياسية وخاصة الشيعية. هذه الشرعيات مجتمعة مع بعضها البعض جعلت من بري مؤسسة بحد ذاته وصوتاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية وطنية ممّا يجعل منه نموذجاً لسياسة فيبر وذلك لأنه يمارس موقعه في السلطة بكاريزمية عبر شبكة علاقات قانونية دستورية واجتماعية مترابطة.
فيلفريدو باريتو - «الثعلب» بين النخب الحاكمة: كتب فيلفريدو باريتو في «العقل والمجتمع» أن النخب الحاكمة تقسم إلى قسمين، نُخب «أسود» تحكم بالقوة ونُخب «ثعالب» تحكم بالمرونة والذكاء. وفي لبنان، الذي تتجدد نخبته من داخل المنظومة ذاتها لا من خارجها، يبدو بري نموذجا واضحا للثعلب السياسي، فهو يعرف كيف يفاوض ويعرف أين يقف وكيف يربح الوقت، وكيف يفتح النوافذ حين تُغلق الأبواب، فهو سياسي يُتقن المساومة، ويعرف نقاط القوة والضعف لدى خصومه، ويتمكن من الاستمرار داخل نخبة سياسية لا تتجدد بسهولة. فلبنان بلد تحكمه نخبة راسخة منذ عقود، وقد استطاعت هذه النخبة أن تعيد إنتاج نفسها باستمرار. لذلك، إن الرئيس بري مثال واضح لنموذج باريتو لأنه رجل نخبة قادر على تجديد دوره وتثبيت مكانته عبر الزمن لأنه ليس فقط جزءاً من النخبة فحسب، بل أحد الذين يعيدون إنتاجها ويحافظون على إستمراريّتها وتماسكها.
أرسطو - منع الانهيار قبل الفضيلة: في كتابه «السياسة»، رأى أن المهمة الرئيسية للسياسي هي منع المدينة من الانهيار. ففي لبنان المتعدد الطوائف حيث الانقسامات عميقة والمخاطر متجددة باستمرار، إستطاع نبيه بري لعب دور المنسّق بين القوى السياسية، وإخماد الصراعات داخل المجلس وأحياناً خارجه، والعمل على ترسيخ حد أدنى من الاستقرار. قد تكون السياسة اللبنانية بعيدة كل البعد عن السعي وراء الفضيلة، لكن الوظيفة التي أتقنها بري منذ زمن طويل هي بالتأكيد محاولته الدائمة لوقف الانهيار. من هذا المنظور، يلعب بري دور الموازن في النظام اللبناني، إذ يتدخل باستمرار لإدارة الأزمات ومنع انهيار المؤسسات، مستغلاً منصبه كرئيس للبرلمان ومستغلاً أيضاً دعم بيئته الشيعية على جميع المستويات. مع أن أرسطو يرى أن السياسة ينبغي أن تكون وسيلة لتحقيق الفضيلة، إلا أن التاريخ يُظهر أن تطبيق هذا المفهوم مستحيل في لبنان. لذلك، يمكن القول إن بري يجسد الجانب العملي من فلسفة أرسطو وذلك لأن النهج الذي يتّبعه في اللعبة السياسية اللبنانية هو فن الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل مجتمع طائفي منقسم.
أفلاطون - الحاكم العارف بخفايا المدينة: على خلاف أرسطو، كان أفلاطون أكثر مثالية في نظرته إلى السياسة، فقد حلم بحاكم فيلسوف يقود الدولة نحو الخير. في كتاب «الجمهورية»، يرى أنّ الحكم يجب أن يكون بيد «الفلاسفة–الملوك»، أي القادة الذين يعرفون الدولة ويجمعون بين السلطة والحكمة الحقيقية، كما شكّك أفلاطون في الأنظمة الديمقراطية التي تغلب عليها المصالح الضيقة والصراعات الفئوية. عند مقارنة هذا النموذج الأفلاطوني بالنموذج اللبناني، يظهر التناقض والفرق البعيد بوضوح، فالنظام اللبناني قائم على توزيع السلطة ضمن المنظومة القائمة على المحاصصة الطائفية الحزبية وليس على اختيار الأفضل للحكم. ومع ذلك، يمكن القول إنّ بري يؤدي دور «العارف بخفايا المدينة»، بخطوطها الحمراء، بتوازناتها الدقيقة، وبمفاتيح الحل والربط داخل النظام، وهو ما يمكن وصفه بالخبير لا الفيلسوف. في فلسفة أفلاطون، الحاكم يجب أن يعرف «ما هو الخير للمدينة» وبالمفهوم اللبناني، يقوم بري بدور «العارف» الذي يقرأ التوازنات ويخمد الصراعات ويمنع الانهيار.
توماس هوبز - سلطة قادرة على مواجهة الفوضى: يُعرّف توماس هوبز السياسة في كتابه «الليفياثان» من منظور مختلف تماماً، إذ يعتبر أن الإنسان، بطبيعته، يعيش في صراع دائم؛ وبالتالي، يحتاج المجتمع إلى سلطة مركزية لمنعه من الانزلاق إلى «حرب الكل ضد الكل»، ولهذا يمكن وصف لبنان بطوائفه وأحزابه وصراعاته الداخلية إلى حد كبير بالبيئة الفوضوية التي تحدث عنها هوبز. في هذا السياق، يؤدي نبيه بري دوراً هوبزياً، إذ يسعى دائماً إلى سلطة تحافظ على حد أدنى من الاستقرار وتمنع الانهيار التام. إن وجوده في منصب رئيس مجلس النواب، وصلاحياته، وقدرته على لعب دور الوسيط، تُجسّد رؤية هوبز بشأن ضرورة وجود سلطة عليا تحافظ على وحدة الدولة وتوازناتها. قد لا تكون هذه السلطة مثالية وعادلة للجميع، لكنها الضمان الذي يحاول منع الانهيار، وتجميد الصراعات، وإدارة الأزمات، ومنع الفوضى، وهو جوهر نظرية هوبز.
جان جاك روسو - غياب إرادة الشعب: من جهة أخرى، يرى روسو في كتابه «العقد الاجتماعي» أن الشرعية السياسية تنبع من إرادة الشعب. فإذا لم يكن الشعب مصدر السلطة، تفقد الأخيرة شرعيتها الحقيقية. كما ينتقد روسو الأنظمة التي تتحول فيها السلطة إلى تحالفات لما يسميه «فوق-الشعبية»، وهي تحالفات نراها بكثرة في لبنان، لا سيما في الانتخابات النيابية والنقابية وغيرها. ومن هنا نفهم التحدي الذي يواجه النظام اللبناني، الذي يقوم في أغلب الأحيان على شرعية طائفية أو حزبية، لا على إرادة الشعب كما صاغها روسو. وعلى الرغم من أن سلطة بري تستمد شرعيتها من قاعدته الطائفية والسياسية، إلا أنه وفقاً لروسو، ليست شرعية تماماً لأنه يستمد سلطته من نظام طائفي يقوم على حصص الأحزاب والتحالفات ال فوق-الشعبية، وليس على مشيئة الشعب كما أوضحها روسو.
هانا أرندت - سلطة التوافق لا سلطة العنف: تميّز هانا أرندت في كتابها «في العنف» بين السلطة والعنف، فهي ترى أنّ العنف لا يحتاج إلى شرعية، ويظهر عندما تفشل السلطة أو عندما تفقد الجماعة قدرتها على العمل المشترك، وتؤكد أن العنف ليس امتداداً للسلطة بل نقيضها، بينما السلطة الحقيقية تنبع من الشرعية والتوافق وأن الأنظمة السياسية القوية هي تلك التي تستند إلى قبول الناس وتوافقهم، لا إلى الإكراه. من هذا المنطلق، يبدو دور بري مركباً، من جهة، هو صاحب سلطة ضمن مؤسسة قائمة على التوافق، وهذا ينسجم مع أرندت، ومن جهة ثانية، يمارس دوره داخل نظام حيث السياسة غالباً ما تتم بين النخب لا بين المواطنين، وهذا يناقض مفهوم أرندت في السياسة بوصفها مشاركة جماعية. لكن ما يمكن ملاحظته هو أنّ بري يعتمد على نفوذه السياسي ضمن المؤسسات أكثر مما يعتمد على العنف، وهذا يجعله وفق نظرة أرندت صاحب سلطة لا صاحب سيطرة قسرية. 
خاتمة - بري مرآة لنظام كامل: من النظرة الفلسفية، يمكن اختصار تجربة رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنها تجربة رجل عرف طبيعة النظام اللبناني وأتقن قواعده وأمسك بخيوطه. هو أحد الذين يديرون التوازنات، يمنعون الانهيار، ويحافظون على استمرار اللعبة السياسية ضمن منظومة تعيد إنتاج نفسها مهما اشتدّت العواصف. فمن ميكافيللي يأخذ البراغماتية وفن البقاء، ومن الغزالي الترغيب والترهيب، ومن فيبر الشرعية المتعددة المصادر، ومن باريتو شخص فاعل في نخبة ثابتة تتجدد باستمرار (الثعلب السياسي)، ومن أرسطو السعي إلى حفظ التوازن ومنع الانهيار، ومن أفلاطون الحاكم الذي يعرف خفايا المدينة، ومن هوبز سلطة ضرورية لمنع الفوضى في مجتمع منقسم، ومن روسو شرعية محدودة لأنها لا تعبّر عن الإرادة العامة بالمعنى الفلسفي، ومن أرندت السلطة المبنية على التوافق أكثر من العنف. قد يختلف اللبنانيون حول أداء دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري ودوره، لكن من المؤكد أنّ قراءة تجربته فلسفياً وسياسياً تكشف جانباً مهماً من واقعنا وهو أن السلطة في لبنان لا تقوم على مبدأ واحد، بل على خليط من البراغماتية، والتوازنات، والشرعيات المتداخلة، والنخب التي تتجدد من داخلها وهذا ما يجعل من نبيه بري مرآة للنظام اللبناني بكامله وشخصية لا يمكن تجاوزها في الحديث عن السياسة اللبنانية.