بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 شباط 2025 12:01ص نتنياهو بين المُستوطِن والدجاجة!

حجم الخط
حين كنا نقول أن كل هذا الفحش العدواني من نتنياهو تجاه لبنان وغزّة، ومحاولة إطالة أمد الحربين عليهما تدميراً وقتلاً على أسفل درجات البشرية، هو خشيته من اليوم التالي. يبدو أنه جاء اليوم التالي الذي سيُفتَح فيه تحقيق حول السابع من أكتوبر وإخفاقاته، فضلاً عن «كيفية إدارة الحرب» حسب بن غفير. و«الصورة» التي تحدّث عنها بن غفير ذاته في غزة ولبنان لعودة الناس إلى مساقط رؤوسهم، أعلن بعظمة لسانه أنها تعبير عن «الهزيمة المطلقة» لبلدهِ و«ينبغي تشكيل لجنة تحقيق». لا في غزّة سقطت حماس ولا في لبنان سقط حزب الله، والدرس واضح: لا تسقط مقاومة حقيقية صاحبة عقيدة و«مهنية» في القتال أمام جيش من وحوش اليهود... وقد وصلَت الرسالة هذه، مع أن بعضها أشلاء!
وفي لبنان عاد الناس إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم بقوة اللحم الحي، وتحمّلوا شهداء وجرحى إضافيين، ولم يعد من مستوطني الشمال إلى سكنهم إلّا ما يساوي عشرة في المئة من عددهم الأصلي. قتَل نتنياهو ودمّر وجرّف وتصرف بالشكل الشيطاني الواضح إرضاء لجمهور من مؤيدي الإبادة لكل ما هو عربي ومسلم من مواطنيه، ولم «يُصدِّقْ» شعبه أنه انتصر. كلمة انتصار إذا أراد سماعها والرقص عليها، عليه أن يذهب إلى بعض الدول العربية التي تفلِتُ محلليها على الشاشات «لإثبات» نجاح إسرائيل في اقتلاع حماس، وأن يستمع إلى أيتامه في لبنان الذين قرّروا أن حزب الله مات ودُفن، وما تبقّى منه نساء لديهن «تكليف شرعي» بتحرير أرضهم بقوّة التحدي والتصدي لنار العدوان على تخوم أراضيهم. سيسمع نتنياهو أجمل ما يدغدغه بين لبنان والعالَم العربي، لكنه حين يعود إلى تل أبيب سيجد وجوهاً مكفهرّة أرهَقت أرواحَ أصحابها وأعصابهم «صورة» المدنيين يقومون بإكمال ما قام به أبناؤهم من القتال الشّرِس حفاظاً على الأرض والعرض.
ضابط أركان كبير قال لقناة تلفزيونية «كنت أتمنى أن تكون لدى مستوطني الشمال حوافز إبناء قرى جنوب لبنان في العودة لكنهم ما زالوا يخذلوننا».
فهل سيلجأ إلينا نتنياهو، نحن أعدائه في لبنان، وهناك في غزة، كي نساعده في تطمين المستوطنين من خطرنا ليعودوا إلى بيوتهم؟ ربما لا تعود أمامه إلّا الطريقة الواردة في هذه الرواية:
يُروى أن رجُلاً كان يخاف من الدجاج ويعتقد حين يرى أي دجاجة أنها ستأكله! عرضوه على أكثر من طبيب نفسي لإقناعه بأن فكرته خطأ وأن الدجاج لا يستطيع أكل البشر. وفي آخر زيارة لطبيب تمكّن هذا الطبيب من إقناعه ليس بأن الدجاج لا يأكل البشر فحسب، بل بأنه إذا هجم هو على الدجاجة المارّة قربه فستهرب منه فوراً. تسلّح المريض بهذا المنطق وخرج من عيادة الطبيب رافع الرأس بقدرته على التخلّص من عقدة حياته. وما إن وصل إلى سيارته ليستقلّها حتى داهمته دجاجة كانت تمرّ في المكان وتوجّهت صوبه، فترك سيارته مرتعداً وعاد إلى عيادة الطبيب الذي استغرب تصرّفه فسأله ماذا جرى؟ فقال للطبيب: أنا اقتنعت بأن الدجاجة لن تأكلني لكن أرجوك حاول إقناع الدجاجة بذلك!
هذا هو حال المستوطنين بالصورة الساخرة. لكن من الجهة العقائدية الجديّة هناك فرق شاسع بين إبن الأرض وعلاقته بها وتشبثه بجذوره أباً عن جدّ، والمستوطن الذي اختاروا له بقعة يقيم فيها وهو غير مرتبط بها لا أصلاً ولا فصلاً. إبن الأرض سيعود إليها مع أي بارقة أمل، أما المستوطن فيفضّل أن يختار غيرها بعيداً من الاشتباك لأنها لا تعني عميقاً، شيئاً عنده.
ماطلَ نتنياهو ستين يوماً في عدم تثبيت وقف القتال على حدود لبنان كي ينجز ما يرغبه اليهودي المستوطن من تدمير القرى اللبنانية التي لا يزال يراها أمامه على الحدود تدافع عنها النساء والصبايا قبل الأطفال والشبان والشيوخ بإرادة استشهاد. ونتنياهو اليوم يفتش عن الطبيب في الحكاية لإقناع الدجاجة عنده بأنها تستوطن إسرائيل العظيمة بجيشها المسمّى لا يُقهر، ولا لزوم لخوفها!
جاء اليوم التالي. كلام بن غفير فتح الطريق لغيره من المطالبين بالتحقيق «في حروب نتنياهو التي لا يريدها أن تنتهي». ونتنياهو يستعد للنتائج المترتبة عن الحرب التي بدأها بشعار إجتثاث حماس، وأنهاها بشعار موازٍ هو إجتثاث حزب الله.. من دون تحقيق أيّ اجتثاث مزعوم للاثنين اللذَين خرجا من تحت الأرض ومن خلف الركام، رافعَين شعار البقاء على قَيد القتال.. ولو بعد حين تبعاً لأجندة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وسائر عصابة اليهود المتطرفين والمعتدلين واليمين واليسار والوسط في دولة ما قبلَ.. قبْلَ جاهلية!
أُسقطَ في أيدي الجيش الإسرائيلي فحارَ كيف يتعامل مع تظاهرات مدنية في جنوب لبنان لم يستطع وقفها ولا منْع تعاظمِها خلال أيام معدودة رغم إطلاقه النار عليها لترويعها، ووقوع شهداء وجرحى، فقرر شنّ غارات طيران جديدة على مدن جنوبية من أجل تخويف التظاهرات التي حرّرت أكثر من خمس وعشرين قرية وبلدة، وربما من أجل دفع المقاومة إلى الرد بعملية عسكرية فتتمكن عندها إسرائيل من خرْبَطة خَرِيْطة التحركات الشعبية على الأرض، وتعيد نفسَها ولبنان والعالَم إلى أجواء الحرب إن لم يكن إلى الحرب في جزئها الثاني!