بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 كانون الأول 2025 12:05ص نتنياهو والمُغامرة المفتوحة

حجم الخط
يُواصل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سياسة الهروب إلى الأمام عبر توسيع رقعة المُواجهة العسكرية، من قطاع غزة، مُروراً بالضفة الغربية والقدس، وصولاً إلى لبنان والتلويح بضرباتٍ عسكرية ضد إيران، في توقيتٍ بالغ الحساسية.
يتزامن ذلك، مع زيارة نتنياهو إلى الولايات المُتحدة الأميركية، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المُقررة يوم الاثنين في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025، في مُنتجع «مار-آ-لاغو» بولاية فلوريدا، على أن يعود إلى تل أبيب، يوم الخميس في 1 كانون الثاني/يناير 2026.
يُعدّ هذا اللقاء الخامس بين نتنياهو وترامب، مُنذ تسلّم الأخير الحكم في ولايته الثانية، قبل 11 شهراً، وهو ما يفوق عدد لقاءات الرئيس الأميركي مع أي مسؤول أجنبي آخر، ما يعكس خصوصية العلاقة والمصالح بين الطرفين.
ويُعوّل رئيس حكومة الاحتلال، على هذا اللقاء كثيراً، في محطة يُفترض أن تكون مفصلية، لتقييم المرحلة السابقة، ورسم معالم المرحلة المُقبلة، وأيضاً لحظة بالغة الدقة، ومآزق داخلية غير مسبوقة، تُطوق نتنياهو سياسياً وشعبياً وقضائياً!
المُرجح أن يتصدر جدول الأعمال قضايا عدة، في طليعتها:
- مُحاولة إنهاء الحرب في غزة، وفق خطة الرئيس الأميركي.
- البحث في ترتيب أمني مع سوريا.
- مُحاولات إطلاق مسار مُفاوضات مع لبنان.
- ملف إعادة تسلح إيران.
- السعي لكسر الجمود في مسار توقيع الاتفاقات بين الكيان الإسرائيلي وعدد من الدول العربية.
خلال الزيارة، من المُقرر أن يعقد نتنياهو، لقاءات سياسية إضافية، إلى جانب اجتماعات مع من يُسمون «قادة الجاليات اليهودية»، في إطار مسعى واضح، لتأمين غطاء سياسي وإعلامي وشعبي لمُغامراته العسكرية وخياراته الإقليمية.
يأتي عقد اللقاء، بين ترامب ونتنياهو، في ظل تحميل الأخير، مسؤولية سياسية مُباشرة عن حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، التي تعرّض لها قطاع غزة مُنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما خلّفته من دمارٍ شاملٍ، وسقوط أكثر من 100 ألف شهيد ومفقود و200 ألف جريح، ودمارٍ رهيب ونُزوح مُتكرر لأكثر من مليوني شخص داخل القطاع، إلى جانب الارتفاع المُتواصل في أعداد الأسرى، الذين يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب والتنكيل، وسن القوانين العنصرية، فضلاً عن العدوان المُستمر في الضفة الغربية والقدس، من إعدامٍ بدمٍ بارد واقتحامات واعتقالات، وتسريع الاستيطان، ومُحاولات فرض وقائع دائمة على الأرض مع استمرار قرصنة أموال السلطة الفلسطينية، التي تجبيها السلطات الإسرائيلية لصالحها.
وكذلك، مُواصلة الاحتلال الإسرائيلي، تصعيده ضد لبنان في خرقٍ فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار المُوقع، بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حيث تبيّن أنه بعد مُرور أكثر من عامٍ وشهر على التوصل إليه، فقد تجاوز عدد الخروقات الإسرائيلية 10 آلاف خرق، شملت غارات جوية، اغتيالات، قصف مدفعي واستهداف مُباشر للمنازل، ما أدّى إلى سقوط أكثر من 330 شهيدا و940 جريحا، إضافة إلى تدمير واسع للبلدات والقرى الجنوبية الحدودية ومنع عودة الأهالي إليها.
هذا فضلاً عن استمرار احتلال 5 نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وشريطٍ يمتد من الناقورة غرباً إلى مزارع شبعا شرقاً، في انتهاكٍ صريح للقرار الدولي 1701.
فيما توسّعت دائرة الغارات لتشمل مناطق خارج جنوبي الليطاني، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، جبل لبنان وبعلبك - الهرمل.
كما يستمر الاحتلال بأسر 23 لبنانياً: 11 خلال الحرب والتوغل، أغلبيتهم تم أسرهم في عيتا الشعب و2 في بليدا وواحد في البترون، و9 بعد اتفاق وقف إطلاق النار من داخل قراهم و3 تعود فترة أسرهم إلى ما قبل الحرب.
في المُقابل، يستعد لبنان للإعلان عن إنجاز المرحلة الأولى من سحب السلاح جنوبي الليطاني، تطبيقاً للقرار 1701، مع رفع مُستوى التمثيل في اللجنة الخماسية لمُراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وإدخال بُعد مدني عبر اللجنة المدنية، برئاسة السفير السابق سيمون كرم.
وقد شدّد المسؤولون اللبنانيون على أن «هذا الإطار تقني وأمني بحت، هدفه تثبيت وقف النار ومنع توسّع دائرة الحرب، وليس مدخلاً لأي مُفاوضات سياسية».
فيما برز رفض الأهالي مُحاولات الاحتلال المُتكررة، التفتيش القسري لمنازلهم، ما يُنذر بوقوع احتكاكات مُتكرّرة مع قوات «اليونيفل».
هذا في وقتٍ يعيش فيه نتنياهو، واحدة من أعقد أزماته السياسية، مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية المُبكرة، التي يُتداول بإجرائها خلال النصف الثاني من العام 2026، حيث أظهرت الاستطلاعات عدم تمكن الائتلاف الحاكم من تأمين أكثرية 61 صوتاً في «الكنيست»، من أصل 120، مع قرب انتهاء العام الثالث للحكومة.
فقد بيّنت الاستطلاعات أن الكتل الداعمة لنتنياهو لن تتمكن من الحصول على أكثر من 52 مقعداً في «الكنيست»، مُقابل 58 مقعداً للأحزاب المعارضة، فيما سيحصل النواب العرب على 10 مقاعد.
وهذا ما يُصعب تشكيل أي حكومة مُقبلة.
وتتفاقم هذه الأزمة مع تصاعد الخلافات داخل المُؤسّسة السياسية والأمنية.
ورفض رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أي مُحاولة للتدخّل في القضاء، بعد طلب نتنياهو منحه عفواً في الملفات القضائية الأساسية الثلاثة، التي يُواجهها: 1000، 2000 و4000.
كما أن نتنياهو يُواجه خطر المُلاحقة أمام «المحكمة الجنائية الدولية»، على خلفية جرائم حرب الإبادة في غزة، وهي مُلاحقات باتت تُشكّل عبئاً سياسياً مُتزايداً عليه، على الرغم من الغطاء الأميركي، ومُحاولات تعطيل المحكمة عبر فرض العقوبات على القضاة.
وقد عبّر وزير المالية الإسرائيلي المُتطرف بتسلئيل سموتريتش، عن مأزق الائتلاف الحكومي، بالإشارة إلى أن «إسرائيل، ستضطر على الأرجح، لخوض عملية عسكرية جديدة في غزة ولبنان، قبل موعد الانتخابات».
في ضوء ذلك، تبدو مُغامرات نتنياهو العسكرية، من التلويح بحربٍ واسعة ضد لبنان، إلى استمرار المجازر في غزة، وتسريع الاستيطان ومُحاولات ضمّ الضفة الغربية، ومُحاولة منع إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة، جزءاً من استراتيجية واضحة اللهروب من المأزق الداخلي، والعزلة الدولية، والمُحاسبة القضائية، وربط بقائه السياسي بمسارٍ عسكريّ خطير، على أمل أن يمنحه لقاء ترامب دعماً إضافيّاً، ولو مُؤقتاً، في معركة البقاء في الحكم، على حساب استقرار المنطقة بأسرها.