د. جيرار ديب
كثّفت فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها الجناحان العسكريان لحركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي، عملياتها الهجومية ضدّ قوات الاحتلال وآلياته العسكرية جنوبي قطاع غزة وشماله، مما يثير تساؤلات بشأن المشهد الميداني وتأثيره على طاولة المفاوضات.
ليس بالأمر السهل، أن تستمر حركة المقاومة في الدفاع عن القطاع وفي الإيقاع بالإسرائيلي بكمائن تؤدي إلى مقتل وجرح العشرات من جنوده. ليس هذا وحسب، بل وصل الأمر إلى إعلان كتائب القسام عن محاولة أسر أحد جنود الاحتلال خلال عملية إغارة في منطقة عبسان الكبيرة شرقي خان يونس، الثلاثاء 8 تموز الجاري.
رغم الشجاعة الميدانية التي تبديها حركة حماس أمام سطوة الجيش الإسرائيلي، إلّا أنّ البيان التي أطلقته الحركة الأربعاء 9 تموز الجاري من أنها تبدي استعدادها للإفراج عن 10 رهائن ضمن مباحثات التوصل إلى اتفاق التي يتوصل العمل لإنجازها في الدوحة وواشنطن. دليل على إن حماس تريد التفاوض بشروطها وهي تستطيع فرضها على إسرائيل التي فشلت ميدانياً في تحقيق أهدافها على رأسها إنهاء حالة حماس من القطاع.
مدّد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو زياته إلى واشنطن الذي وصل إليها مؤخرا، لوضع خطة برعاية أميركية لإنهاء الحرب القائمة في القطاع. اللقاء بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، يحمل طلباً إسرائيلياً أقرب إلى أن يكون إلحاحاً في سبيل فرملة السير بالحرب التي باتت تكبدّ الإسرائيلي الكثير في الأرواح والعتاد دون نتيجة ميدانية تُذكر.
نتنياهو ليس بخير، فعسكره المأزوم في قطاع غزة، لم يستطع أن يحسم الحرب رغم الدعم الدولي غير المسبوق، فممر الاقتصاد الهندي الذي تم التوقيع عليه في 10 أيلول عام 2023 في نيودلهي في الهند، لم يزل تحتاج طرقاته إلى تعبيد، تحديداً في شمال القطاع حيث قناة بن غوريون المفترض أن تكون بديلاً عن قناة السويس. فالرجل يعاني الأمرّين في إدارته للأزمة التي وقع فيها، لهذا بات المخرج الرئيسي له هو الذهاب في رسم سيناريو واضح للخروج منها.
مشاكل تلاحق جيش نتنياهو، وظاهرة بدأت تتفشى بين جنوده، ألا وهي ارتفاع حالات الانتحار. إذ رغم عدم إعطاء هذه الظاهرة حجمها لكنها ستتحوّل إلى واقع مأزوم لن يستطيع الخروج منه. لقد أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنودهن وهو الرقيب ليائيل شوهام من لواء غولاني، دون أن يذكر السبب والمكان، لكن حسابات عبرية كشفت إنه أقدم على الانتحار في سجن سديه تيمان العسكري.
وشوهام هو ثاني جندي للاحتلال ينتحر خلال أيام قليلة، بعد دانيال إدري، الذي شارك في العدوان على قطاع غزة، وأحرق نفسه داخل سيارته وسط غابة قرب صفد. والأكيد أن دانيال وشوهان لن يكونا الأخيرين بسبب النكسات النفسية التي أصابت الجنود في حرب لن يستطيع تحقيق الانتصار فيها.
قال وزير دعاية هتلر، ومنظّر النازية، جوزاف غوبلز، «أكذب أكذب حتى تصبح الكذبة حقيقة»، هذا ما يحاول فعله نتنياهو من خلال التعتيم الإعلامي على ما يحصل في القطاع. إذ يعمل نتنياهو على تحوير الحقيقة من خلال منع دخول الإعلام على غزة بسبب مخاوفه من انكشاف المزيد من الفظائع التي تتسلل يومياً عبر كاميرات الصحافيين ومواقع التواصل الاجتماعي. هذا ما دفع رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن بالمطالبة بضرورة دخول وسائل الإعلام ومنظمات الإغاثة إلى القطاع للاطّلاع على «الأهوال الكاملة» التي لحقت بها جراء الإبادة الإسرائيلية المستمرة. لهذا مهما حاول نتنياهو تعمية الحقيقة إلّا أّن كشف كذبه وخداعه ستلاحقه حتى بعد نهاية هذه الحرب، وحتى لو استطاعت دعوة ترامب المحاكم الإسرائيلية لتوقيف محاكمته بجرائم فساد.
تبرز إشكالية جديدة في إدارة الصراع لدى نتنياهو وهي ما باتت ظاهرة للعلن، وتتمثل في تدخّلات زوجته سارة نتنياهو، التي على ما يبدو لها دور كبير في الدفع باستقالات مسؤولين مقرّبين من زوجها. إذ أقال نتنياهو السبت 5 تموز الماضي، المتحدث باسمه عومر دوستري بعد أقل من عام على تعيينه بسبب خلافات متكررة مع سارة.
بغض النظر عن التبريرات التي يخرج بها مكتب نتنياهو لتدعيم فكرة الإقالة من المناصب الرفيعة، لكنّ الواقع يؤكد على تدخّلات زوجته في الموضوع. فمنذ الانتخابات في تشرين الثاني 2022، سجلت عدة استقالات في المكتب، وفي آذار 2024 تم إخراج مدير المكتب يائير كاسرويس في إجازة قسرية على خلفية أزمة ثقة حادّة مع سارة.
لا يتوقف الأمر عند سارة، بل هي العائلة بذاتها لها باع طويل في التطاول على مؤسسات الدولة، والتدخّل دون أي صفة رسمية. هذا ما حصل مع إبن نتنياهو البكر يائير الذي كان له ردّاً خرج به عن المصطلحات الدبلوماسية في ردّه على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أبدى رغبته في الإعلان عن إقامة دولة فلسطينية كجزء من الحل للأزمة في الشرق الأوسط.
لا يبدو الموضوع عرضياً، بل سيكون سبباً من الأسباب التي ستؤدي بحكومة نتنياهو إلى الانهيار خصوصاً وإن سارة كما زوجها تدور حولها شبهات فساد. الإسرائيلي ذات الفكر اليميني المتطرف، يرفض تولي النساء مناصب في الدولة، لهذا فإلى جانب قضايا خلافية من تجنيد الحريديم إلى مفاوضات التسوية في غزة التي يرفضها الوزير إيتمار بن غفير ومن معه، تبرز قضية سارة وتدخّلاتها لتكون «الشعرة التي ستقصم ظهر البعير»، وتهدم الهيكل السياسي والمالي الذي بناه نتنياهو في فتراته الطويلة في الحكم.
«عدم الاستقرار» هي الحالة التي تعيشها حكومة نتنياهو، وعدم التمكّن من تحقيق أهداف الحرب في غزة تحديداً هي عنوان العمليات العسكرية المتزايدة لحركة حماس. لهذا بات من المعلوم أن بقاء نتنياهو في السلطة مرهون في التوصل إلى تسوية إيرانية - أميركية، في ما خصّ مواضيع كثيرة. لقد بات واضحاً أن نتنياهو اليوم هو أداة ترامب التنفيذية في المنطقة، وإن الاتفاق الضمني بين الرجلين قائم على انقاذه من الاعتقال وطوي صفحة الملاحقات القضائية مقابل ترك السلطة والذهاب للعيش في الولايات المتحدة.
لم تعد فكرة «إطالة» الحرب وتشعّبها فكرة سليمة ومنتجة عند الأميركي، هذا ما دفع بالإدارة الأميركية لترتيب أوراق المنطقة على قواعد رئيسية وعلى إعلاء شأن دول المنطقة على رأسها دول الخليج العربي على قاعدة فرض مبدأ التوازنات الإقليمية، لأن الحرب المقبلة والقادمة ستكون مع الصين، حيث كافة لاستعدادات بدأت تتحضّر لها، في ظلّ إطالة ترامب للأزمة في أوكرانيا وإشغال روسيا بعدما وافقت إدارته على حزمة مساعدات إضافية عسكرية لكييف رغم الاعتراض الروسي.