بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2026 12:15ص هل أخطأ مجلس النواب في التمديد لنفسه؟

حجم الخط
ظاهرة لافتة ونادرة لم نألفها في الجلسات التشريعية والرقابية، وهي حضور جميع أعضاء مجلس النواب للمصادقة على تمديد ولايتهم لمدة سنتين لغاية 31 أيار 2028. ولقد تمّ نشر قانون التمديد هذا وعلى غير عادة في اليوم نفسه الذي حصل فيه التصويت عليه.
وليست هي المرّة الأولى التي يمدّد فيها مجلس النواب لنفسه فلقد فعلها مراراً ونذكر منها على سبيل المثال كيف أن البرلمان المنتخب عام 2009 قد مدّد لنفسه مرتين ولغاية 2017.
لا توجد أمثلة في الأنظمة الديمقراطية الحديثة على واقعة تمديد النواب ولايتهم النيابية لأنفسهم، ولكن ما لفت انتباهنا حادثتان. الأولى هي قيام البرلمان البريطاني بالتمديد لنفسه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، مؤجلاً بذلك الانتخابات النيابية مبرّراً ذلك بالحفاظ على الاستقرار خلال فترة الحرب. أما الثانية فهي تمديد البرلمان الكندي ولايته لسنة واحدة عام 1916 بهدف تفادي مخاطر الحرب. وهكذا بدا لنا أن الأسباب المعلّلة لتأجيل الانتخابات النيابية تعود في مجملها الى أسباب قاهرة مثل حالات الحرب سواء كانت خارجية أم داخلية وإنها ظروف مشروعة إلّا إذا كانت بسبب ظروف انتخابية غير ملائمة شعبياً للحزب أو الأحزاب الحاكمة التي تتولّى السلطة.
• في المبدأ:
يُعتبر التمديد منافياً للمبادئ الديمقراطية والبرلمانية وان الدستور اللبناني قد نصّ في مقدمته على أن لبنان «جمهورية ديمقراطية برلمانية» وعلى أن «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية».
وإذا كان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة فذلك يعني أنه هو الأصل في السيادة وبالتالي لا يجوز ولا يحق للبرلمان وهو الفرع أن يشارك الأمة حقّها في السيادة بفعل تمديده لولايته من دون وجه حق. ولا بدّ لنا هنا من التساؤل عن الحجّة القانونية التي استند إليها النواب لكي يقوموا بتعيين أنفسهم نواباً بحيث استحدثوا لهم حقاً مجرّداً من أي مسوّغ قانوني ودستوري.
ويجدر بنا التنبّه في هذا السياق الى التبعات السيئة لهذا التصرّف النيابي وغير المألوف ونذكر منها كيف أن لبنان كان في السابق قدوة في الديمقراطية في محيطه الإقليمي في حين أضحى حالياً عكس ذلك تماماً.
إضافة الى ذلك نذكر ان الدستور نصّ على صلاحيتين هامتين للبرلمان، الأولى هي التشريع أما الثانية في الرقابة على السلطة التنفيذية، ومحاسبتها، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يمارس الشعب حقّه الدستوري في الرقابة على النواب ومحاسبتهم في صناديق الإقتراع. وهكذا يتجلّى لنا أن المجلس النيابي قد فوّض لنفسه حقاً دستورياً منحه الدستور للشعب.
فالأمة هي العلّة الغائيّة أي أنها هي التي انتجت النواب من أجل تحقيق مصالحها الوطنية والاجتماعية. وإن حق الأمة هذا حقّ دستوري غير قابل للتصرّف أو التنازل عنه.
في الواقع:
نحن حالياً في لبنان أمام واقع مرير وغير مستقر فالوطن يواجه حرباً تطال غالبية المناطق، ولقد أدّت الى تهجير عدد كبير من المواطنين وفي ظل هذه الظروف غير العادية صدف إنتهاء ولاية مجلس النواب في أواخر أيار 2026 فهل من المناسب عملياً إجراء الانتخابات النيابية.
الحق يقال أنه يجب النظر الى الواقعات السياسية بصورة موضوعية ومن هذه الزاوية نرى ان الظروف الراهنة لا تسمح عملياً باجراء الانتخابات النيابية بشكل صحيح وكامل إذ لا مفرَّ من تأجيلها إلى تاريخ لاحق لكن تأجيلها إلى 31 أيار 2028 أي لمدة سنتين طرح العديد من الانتقادات من مختلف الفرقاء السياسيين التي اقترحت تأجيلها لأشهر قليلة. ونرى من جهتنا ان مدة سنتين تعني نصف ولاية المجلس دستورياً وهذا غير مقبول ديمقراطياً إذ يعني حرمان الأمة من محاسبة نوابها لمدة سنتين. لكن الاسباب الموجبة لإقرار قانون التمديد رقم 41 تاريخ 9/3/2026 اضافة إلى الحجج أعلاه قد تبدو مقنعة ولا يمكن الشك في صحتها. لكن سها عن بال النواب أن يظهروا حسن نيتهم على الأقل وأن يحترموا ذكاء المواطن وأن يحفظوا ماء وجههم وأن يكتفوا بالتمديد لأشهر قليلة.
ولتعزيز حجّة الظروف الاستثنائية التي تذرّع بها المجلس النيابي نذكر هنا مقولة الفقيه الفرنسي Jèze:
«Les Règles se transforment suivant les besoins».
ونستطرد قائلين بأنه في بلد غير مستقر ومعرّض دوماً اللهزّات وللاضطرابات السياسية والاخطار الخارجية من غير الواقعي تطبيق القوانين والدساتير بشكل كامل فالواقعات تفرض نفسها احياناً في حالات الضرورة القصوى والظروف الاستثنائية.
وقبل الختام نشير إلى مقتربين اثنين; الأول هو انه يحق للبرلمان ان يفعل كل شيء باستثناء التعدّي على سلطة الأمة فهذا خط أحمر ويترتب على المجلس الدستوري الدفاع عن هذا الخط علماً انه سيكون عالقاً بين مطرقة الدستور وسندان الواقع السياسي وانه سيعمل على الأرجح إلى التخلّص من هذا المأزق بالركون إلى «معزوفة» «الضرورات تبيح المحظورات».
أما المقترب الثاني فهو الإشارة إلى مقولة رجل الدولة الإيطالي Camillo Cavour ونذكرها من زاوية التسامح عمّا فعله مجلس النواب بالنسبة لتمديد ولايته:
La plus Mauvaise des Chambres vaut mieux que la meilleure des anti-Chambres.
أخيراً أجد نفسي مضطراً إلى الكشف عن خبر حصلت عليه في 27 شباط خلال التقائي برئيس مؤسسة إعلامية حيث تلقّى مخابرة هاتفية أبلغته أن القرار قد اتخذ بالتمديد سنتين للمجلس النيابي وإن وزير خارجية دولة شقيقة سيزور لبنان في 29 آذار لدعم هذا الاقتراح والترويج له.

* دكتور في القانون العام