د. جيرار ديب
وصلت مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» إلى قبالة سواحل أميركا اللاتينية، الأربعاء 11 تشرين الثاني الجاري، في تصعيد عسكري كانت فنزويلا قد حذّرت من أنه قد يشعل نزاعاً شاملاً.
وقالت القيادة الجنوبية للقوات البحرية الأميركية في بيان إن حاملة الطائرات «يو أس أس جيرالد فورد» التي صدر أمر بنشرها قبل نحو أسابيع، دخلت نظام عمليات القيادة الذي يشمل أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
هذا وكانت الإدارة الأميركية في ايلول الماضي، قد أعلنت عن نيّة واشنطن مكافحة تهريب المخدرات إلى أراضيها، الأمر الذي دفع بها إلى تعزيز حضوراً عسكرياً في منطقة المحيط الهادئ. هذا ما أشعل جدلاً واسعاً بين دول المنطقة، تحديداً فنزويلا التي قررت حكومتها التصعيد مع إعلانها عما أسمته انتشاراً عسكرياً واسع النطاق على مستوى البلاد لمواجهة الوجود البحري الأميركي قبالة سواحلها.
بالتوازي مع إعلان الاستعداد للحرب من قبل كاركاس، أعلن الرئيس الكولومبي عوستافو بيترو تعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية بين قوات الأمن الكولومبية ونظريتها الأميركية، إلى أن توقف إدارة ترامب ضرباتها ضد جار المخدرات، في خطوة تعكس توتراً متصاعداً بين البلدين.
تشتعل جبهة المحيط الهادئ في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، التي وضع رئيسها الراحل جيمس مونرو في 2 أيلول عام 1823 مبدأ نال موافقة الكونغرس ويتعلق بضمان استقلال كل دول نصف الكرة الغربي ضد التدخّل الأوروبي يومذاك. وأما اليوم، فهذا المبدأ لم يزل ساري المفعول بالنسبة إلى واشنطن ولكن المتدخّل اختلف من الأوروبي إلى الروسي والصيني، والأهداف تغيّرت مع نيّة المتدخلين بإحداث قلق جدّي لواشنطن في تلك المنطقة علّ في هذا ما يلهيها عن التدخل بحدائقهما الخلفية.
يمكن للمتابع أن يتفهّم التدخّل الروسي والصيني والإيراني إلى جانب فنزويلا وكولومبيا، إذ لكل من هذه الدول امتداد نفوذ في القارة اللاتينية، وربما حضوراً عسكرياً. كما وإن تجارة المخدرات نشطة في تلك المنطقة على اعتبار أن من الوسائل التي تحتاجها الدول لتبييض أموالها وتمويل موازناتها لا سيما العسكرية.
رغم إن التقارير العسكرية تؤكد على إن الصدام العسكري بات وشيكاً، وإن السلوك الأميركي في المنطقة قد يشعل حرباً، إلّا أنّ حالة عدم الهدوء في تلك الرقعة الجغرافيا من العالم، قد تتوسّع ولا تبقى حيث هي. مع التصاريح التي أطلقتها أهم حلفاء واشنطن الدوليين، بريطانيا حيث قالت شبكة CNN إن بريطانيا علّقت تبادل المعلومات مع أميركا حول سفن تهريب المخدرات بالكاريبي لاعتقادها أن هذه الهجمات «غير قانونية». يمثل قرار المملكة المتحدة تحوّلاً كبيراً عند أقرب حلفاء واشنطن وشريكها في تبادل المعلومات الاستخباراتية، ويؤكد الشكوك المتزايدة حول قانونية الحملة العسكرية الأميركية في المحيط الهادئ.
بريطانيا ليست وحدها في ميدان الإدانة أو على الأقل اعتبار إن هذه الحملة العسكرية الأميركية غير مبررة إن لم نقل غير قانونية. إذ أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، خلال مشاركته في قمة وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا، أن فرنسا تتابع بقلق هذه العمليات العسكرية نظراً لانتهاكها للقانون الدولي، ولأن لباريس وجوداً في المنطقة عبر أقاليمها ما وراء البحار التي يسكنها أكثر من مليون مواطن فرنسي.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن «واشنطن واجهت الكثير من المشكلات مع الفرنسيين»، مقاطعاً المذيعة لورا إنغراهام حين تحدثت عن طلاب صينيين يتجسسون على الجامعات الأميركية بقوله «هل تعتقدين أن الفرنسيين أفضل؟ لست متأكًدا».
على ما يبدو، إن الإشكالية مع الحلفاء هي العاصفة الرئيسية التي تهبّ من المحيط الهادئ، والتي تؤكد على عمق وجديّة الصراع بين حلفاء الأمس. تعقيدات كثيرة ترافق التحالف الغربي، تبدأ من الاعتراف الفرنسي البريطاني في إفادة الدولة الفلسطينية رغم الاعتراض الأميركي أو بالأحرى الامتعاض من هذا القرار، ولا تنتهي في السياسة الأميركية الخارجية لقضايا تجد فيها الدول الأوروبية بأنها مصيرية بالنسبة إليها، على رأسها حرب أوكرانيا.
لم تمرّ مسألة رفع الرسوم الجمركية الأميركية عند الأوروبي، ولا سيما إن القرار شملها هي التي تعتبر أن واشنطن حليف موثوق وتاريخي للقارة العجوز. ليست المسألة الوحيدة بين الغربيين، بل إن التدخّل الأميركي في نتائج الانتخابات البرلمانية والتخوّف الأوروبي من صعود اليمين المتطرف ذات الميول الترامبية، والتي تعمل على إلغاء قيم لطالما تتغنّى بها الديمقراطية شكّلت مصدر قلق وجودي لثقافتها ما جعلها في مواجهة حقيقة مع المدّ الذي حذّر منه الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، الأحد 9 تشرين الثاني، من «التهديدات المتزايدة» للديمقراطية في بلاده وأوروبا عموماً.
ليس حبّاً بفنزويلا ولا كولومبيا، ولا خوفاً على انتهاك القانون الدولي يصرّح الفرنسي والبريطاني، بل بهدف توجيه رسالة واضحة إلى الجانب الأميركي مفادها أن «الطلاق» واقع وإن الاستمرارية في نهج التعالي والتغاضي عن مصالح الأوروبيين قد يشعل فتيل النزاع ليطرح التساؤل هل سيبقى المحيط هادئاً أم قد تصل رياحه إلى أوروبا إلى تفتيت التلاحم الغربي وتقتلع معها حلف وشمال الأطلسي؟