في عام 1935 شنّت إيطاليا بقيادة الزعيم الفاشي موسوليني حرباً ضد الحبشة عجزت عصبة الأمم المتحدة عن وقفها بسبب تباين المواقف بين الدول الكبرى آنذاك، والمنقسمة حول الموقف من إيطاليا الفاشية، التي كان البعض يحرص على عدم دفعها للتحالف مع ألمانيا النازية بقيادة ادولف هتلر...
يومها اتخذت عصبة الأمم المتحدة قرارات لصالح أثيوبيا لكنها لم تنفذ بسبب رفض إيطاليا الفاشية الالتزام بها والانسحاب من عصبة الأمم، بالإضافة الى انسحاب اثيوبيا (الحبشة) بقيادة الامبراطور هيلاسلاسي من العصبة الأممية، التي أعلنت عن وفاتها مع بدء الحرب العالمية الثانية مفسحة المجال أمام قيام الأمم المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.
يبدو ان استحضار هذه الوقائع التاريخية هذه الأيام ضروري للتشابه بين الموقف الصهيوني اليوم المدعوم أميركياً من قرارات الأمم المتحدة، أو من مواقف دول كبرى يومها من الغزو الإيطالي للحبشة.
ولعلّ الموقف المتأخّر الذي صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة والبيان الصادر عن عدة منظمات دولية بإدانة حرب التجويع التي يشنّها الكيان الصهيوني على أهلنا في غزة، وهو موقف إيجابي بالتأكيد، ولكن لا يمكن أن يتحوّل الى قرار تنفيذي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإجبار تل أبيب على وقف عدوانها بسبب الفيتو الأميركي السابق واللاحق، وهو دليل آخر على ترهّل المنظمة الدولية وقرب إعلان وفاتها إذا لم يتحوّل دعم الإدارة الأميركية المطلق لنتنياهو الى موقف متوازن يحترم الحد الأدنى، ليس من حقوق الإنسان فقط، بل أيضاً من حق الإنسان في الحياة.
ان تطور مشهد العلاقات والقرارات الدولية باتجاه عجز مطلق عن وقف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني يهدّد بشلّ المنظومة الدولية في كل العالم في مرحلة غياب أي دور للقوانين والمواثيق والأعراف الدولية التي تم إقرارها لتنظيم العلاقات الدولية واخضاعها لمواثيق وقوانين وقرارات، وحفظ الأمن والاستقرار في العالم.
ان هذا المأزق المتفاقم الذي يجد العالم نفسه فيه سجين الفيتو الأميركي الحالي الداعم باستمرار للوحشية الإسرائيلية، يؤكد ان ما يجري في غزة وفلسطين ليس مجرد اعتداء على شعب ووطن فحسب، بل هو اعتداء على النظام الدولي ومواثيقه الى حد كبير، وهو ما يمكن أن يشكّل تهديداً ليس لأمن منطقتنا وحدها، بل لأمن العالم بأسره، الذي بات عاجزاً عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة بحق قراراته وقوانينه ومواثيقه.
فهل نحن فعلاً أمام مرحلة تتلاشى فيها الأمم المتحدة، وكل المنظمات المتفرعة عنها، ونرى أنفسنا أمام فوضى عالمية تحدثنا منذ ان أعلن جورج بوش عن قيامه بغزو العراق عام 1991، فبات العالم محكوما بشريعة الغاب.
فمتى يتدارك فيها العالم هذه المحنة نحو نظام أكثر فعالية وأكثر عدالة؟!