د. جيرار ديب
شدّد مسؤول في البيت الأبيض، الإثنين 1 كانون الأول الجاري، على أن ما يفعله رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قد يحوّل النظام بسوريا لعدو لإسرائيل، في إشارة إلى عمليات التوغل والانتهاكات.
جاء هذا بعدما أعرب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن رضا بلاده بالكامل بالنسبة للنتائج التي تحققت، بفضل العمل الجاد والعزيمة لدى الرئيس الجديد أحمد الشرع، في سوريا. وأضاف على منصته «تروث سوشيال» أن الولايات المتحدة تبذل كل ما في وسعها لضمان استمرار الحكومة السورية في القيام بما هو مقصود، وهو أمر جوهري، من أجل بناء دولة حقيقية ومزدهرة.
واضح الإصرار الأميركي تجاه النظام الجديد في سوريا، وهذا ما يتقاطع حتماً مع الإرادة الخليجية التي أقدمت على فتح باب الاستثمارات في سوريا من أجل نهضتها. ليس هذا وحسب، بل ذهبت بعيداً في مطالبة الإدارة الأميركية بضرورة رفع العقوبات عن سوريا للسير في طريق بنائها.
سوريا القوية، مطلب عربي وغربي وتركي، رغم إن هذا قد لا يلتقي مع المشروع الإيراني ومن يدور في فلكه الذين وجدوا في انهيار النظام وهروب بشار الأسد، قطع طريق الامدادات على أشكاله، و«نكسة» أصابت المحور في الصميم. لكنّ خطر تشكيل سوريا وإعادة بنائها لا يتوقف عند هاجس اللاعب الإيراني، بل أيضا يتعلق بهواجس حكومة نتنياهو، التي تمارس اعتداءاتها في سوريا، في دلالة على إنها تعمل على فرض واقع حال تحت مسمى «منطقة عازلة»، من خلال السعي لضمّ الجنوب السوري إلى ما عرّفه نتنياهو بخارطة «إسرائيل الكبرى». لكن الملفت أنه رغم طموح نتنياهو إلّا لجمه من قبل إدارة ترامب دلالة على أهمية سوريا ضمن أهداف واشنطن في المنطقة، لهذا فإن التخلّي عنها يبدو مطلب بعيد المنال.
الاهتمام الأميركي في سوريا، لا يقلّ أهمية عن ذلك الاهتمام بنجاح خطة ترامب في قطاع غزة، هي التي من أجلها حضر قمة شرم الشيخ في كانون الأول الماضي، ليعلن وقف الحرب والسير في جولات خطته. نقل موقع «إكسيوس» الأميركي الخميس 4 كانون الأول، عن مسؤولين أميركيين، أن الرئيس الأميركي يعتزم إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية السلام في غزة قبل نهاية العام.
رغم الإشكاليات التي رافقت الجولة الأولى، من اعتداءات إسرائيلية أدّت لارتكاب المزيد من المجازر، إلّا أن ذلك لم يثنِ من عزيمة واشنطن على تطبيق الخطة بالكامل. إذ إن فرض الهدنة في غزة مؤشر على قطع الطريق الأميركي - العربي، لنتنياهو بالذهاب بعيداً في ما خصّ إنهاء القضية الفلسطينية وحلّ الدولتين.
لا يستطيع الأميركي التماهي كثيراً مع أحلام نتنياهو بشأن قطاع غزة، بعدما واجهت إدارته معارضة عربية ودولية واسعة في شأن الترحيل القصري، وبعد معاناة واشنطن في الدفاع دولياً عن نتنياهو في شأن ارتكاب جيشه المجازر بحق الفلسطينيين. هذا الأمر دفع بإدارته إلى «الهرولة» نحو فرض الهدنة وإلزام الإسرائيلي بها، لتأمين حدّاً أدنى من الاستقرار لعبيد الطريق نحو تطبيق مراحل الخطة، ووضع اليد على ثروات القطاع على البحر الأبيض المتوسط في سبيل تعبيد خطّ الطاقة إلى العمق الأوروبي.
في سوريا كما في غزة، إرادة أميركية متقاطعة مع إصرار خليجي على إنهاء الصراع والسير نحو تسويات تنهي حالة الحرب الدائمة، إلّا أنّ الواقع في لبنان مغاير ولا سيما إن المعادلة مختلفة، وهي ترتبط بحصرية السلاح الذي أقرته الحكومة اللبنانية في 5 و7 آب الماضي، واستكملته في قرار «تطعيم» الوفد المفاوض بمدني هو السفير السابق في الولايات المتحدة، سيمون كرم.
«حصرية السلاح» لبدء الانسحاب الإسرائيلي واطلاق سراح الأسرى وإعادة الإعمار سيترافق هذا مع فرض واقع حدودي جديد يتمثل في إنشاء منطقة «ترامب الاقتصادية». هنا تكمن الإشكالية في لبنان التي تزداد تعقيداً مع إعلان الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، التمسك بالسلاح رافضاً أي حديث عن هذا، خلال كلمة له في المهرجان الذي أقامه الحزب تعظيماً لشهدائه على طريق القدس، الجمعة 5 كانون الأول الجاري.
الواقع اللبناني رغم تعقيداته، إلّا أنّه معرّض للتخلّي الأميركي بين المطرقة الإسرائيلية المرتبطة بوتيرة التهديد والتصعيد لمسؤوليها بحرب تدميرية، ووضعه بين سندان الدخول في نفق الحرب الداخلية في ظلّ انقسام عامودي واضح في الرؤية لأي لبنان نريد بين مكوناته، لا سيما بعد كلمة رئيس القوات اللبنانية، الأحد 7 كانون الأول العاليا السقف تجاه السلاح.
كما في عام 1984، تحديداً بعد تنصّل لبنان من اتفاقية 17 أيار برعاية أميركية حيث ترك لمصيره، كذلك هو حال هذا البلد، إن أقدم على التغريد خارج سرب التسويات التي تفرضها إدارة ترامب، هذا ما يثير التساؤل حول أي حرب ستكون على لبنان مع بداية عام 2026، هل الحرب الأهلية أم الإسرائيلية، طالما أن لبنان هو الحلقة الأضعف خطة ترامب؟