د. جيرار ديب
أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مظلوم عبادي، الأحد 18 كانون الثاني، قبوله بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري، أحمد الشرع، لوقف إطلاق النار في شمال شرق البلاد، واعتبر في بيان متلفز أن «هذه الحرب فرضت عليهم وخطط لها من قبل عدة جهات»، على حدّ وصفه، إلّا أن السؤال الذي يطرح نفسه «من قصد بالجهة التي خططت لهذا، ومن فرض الحرب عليهم؟
رغم المآسي التي حملتها هذه الحرب في منطقتي تل حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، وقبلها معركة حي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مطلع كانون الثاني الجاري، لكنّها اكتسبت دلالات في التوقيت والحسم، مع خروج التقارير الأمنية التي تتحدث عن انضمام المزيد من فلول النظام إلى صفوف قسد للقتال إلى جانبها في وجه الشرعية منعاً لتوحيد سوريا، فهل هذه هي الجهة التي تحدث عنها العبادي، أي فلول الأسد ومن يدور في هذا الفلك الحالم بعودة سوريا إلى النظام السابق؟
إعلان العبادي إن هذه الحرب فرضت عليهم، يحمل في الخفايا قلقاً حقيقياً من سعي النظام السابق ومن معه من حلفاء إلى احداث توترات في البلاد علّ ذلك يسهل في تقسيم سوريا. لأنّ هذا ترافق مع تقارير تحدثت عن تحركات أمنية يعمل على افتعالها ضباط من النظام السوري لإحداث «خربطات» أمنية تعيق عملية الانتقال نحو بناء الدولة. هذه التقارير ترافقت مع تنفيذ الجيش اللبناني المزيد من المداهمات في مناطق شمالية من البلاد تفتيشاً عن مجموعات من الضباط الذين يتولون القيام بالتحضير لعمليات جديدة في سوريا. هذا وكان القيادي في قسد وقائد وحدات حماية الشعب الكردي، سيبان حمو، قد نفى مثل هذه التقارير مؤكداً عدم تلقّي وحدته أي دعم من إيران أو روسيا، لكنّ ما عبّر عنه يبقى هو الأخطر، حيث أمل أن تتدخّل إسرائيل لصالح الكرد في سوريا.
«التدخّل الإسرائيلي» هنا بيت القصيد، إذ لطالما أعلن رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، عن نيّته تقديم المساعدة العسكرية لقوات قسد، كذلك للدروز في الجنوب السوري. فهذه المساعدة ليست إنسانية بقدر ما تحمل في طياتها أحلام نتنياهو بالتمدد والوسع في حدود بلاده لبناء «ممر داوود». هذا المشروع الذي يحمل جملة من أهداف استراتيجية تسعى لها إسرائيل، أبرزها إعادة تشكيل سوريا بما يخدم مصالحها، عبر تفتيتها وإضعاف السلطة المركزية في دمشق.
«ممر داوود»، هو شريط جغرافي ضيق يمتد عبر قلب المشرق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة في الجنوب الغربي ويمرّ بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقاً عبر السويداء في جبل حوران ويدخل البادية السورية باتجاه معبر النتف الاستراتيجي على الحدود العراقية - الأردنية. تعتمد إسرائيل على سردية «إنسانية» لإضفاء الشرعية على تدخّلاتها الإقليمية، منها حماية الأقليات في سوريا، عبر تأسيس نفوذ في مناطق رئيسية تحت ستار حماية الفئات الضعيفة.
تعمل الإدارة الجديدة في سوريا بدعم دولي واسع على عرقلة حلم إقامة «إسرائيل الكبرى»، ليس عبر المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، لكن من خلال توحيد البلاد وضمّ الأطراف المتفلتة عن الشرعية إلى الحضن السوري. لهذا أتت العملية العسكرية على قوات سوريا الديمقراطية، وترافقت مع توقيع الشرع على بنود اتفاق جديد مع الأكراد لا تتضمن فقط وقف النار بين الطرفين، بل أيضاً ضمانات تدفع بهذه القوات لتحقيق الاندماج الكامل مع الحكومة السورية. فالاتفاقية تنص على «دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ«قسد»، ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الترتيب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولاً، وحماية خصوصية المناطق الكردية».
واضح المسعى السوري في عدم التخلّي عن توحيد البلاد، وقطع الطريق أمام المطالبين بالتقسيم، ولكنّ الأوضح يبقى الإرادة العربية والتركية الداعمة لوحدة البلاد. كذلك، على ما يبدو، تلتقي تلك الإرادة بتصميم أميركي واضح لبسط الاستقرار في البلاد، وقطع الطريق أمام الطامحين للعبث بأمن سوريا عبر خلق التوترات لإعادة تموضع نفوذها بعدما أصيبت بـ«نكسة» استراتيجية واضحة بعد هروب بشار الأسد.
ليس عن طريق الصدفة، أن تتحرك القوات الشرعية في سوريا لحسم المعركة، في ظلّ الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب لغزة، والإصرار على مشاركة تركية في مجلس السلام رغم معارضة تل أبيب لذلك. كذلك أتت هذه التحركات مع الحديث عن استعدادات أميركية لتنفيذ ضربة عسكرية لقلب النظام في إيران، لقطع طريقها للعبث من جديد بأمن الدول العربية.
قد يكون من المبكر الحديث عن إعادة ترتيب الورقة الكردية كمكوّن أساسي في سوريا، ولكنّ ما حصل يشكّل بداية طريق لهذه الخطوة، فالأهم يظهر في الدعم الواضح خليجيا وتركيا لبناء سوريا الجديدة وقطع الطريق أمام أحلام الساعين إلى عودة عقارب الساعة إلى الوراء، فهل سنشهد سيناريو مثيلًا لاتفاق قسد الحكومة في الجنوب السوري؟